الأزمة العالمية والأزمة الإيكولوجية

الأزمة العالمية والأزمة الإيكولوجية

عمر الزيدي:  ايكولوجيا الامل

الفصل السابع : الأزمة العالمية والأزمة الإيكولوجية

شككت الدراسة المنشورة في “لومند” يوم الإثنين 05 نونبر 2012 ، ونحن آنذاك على بعد أقل من ثلاثة أسابيع من مؤتمر الضحى حول المناخ، في إمكانية المنتظم الدولي أن يستطيع تحقيق الحد من تدفئة الأرض بدرجتين كما التزم بها سابقا. فمؤسسة الخبرة “برايس واتر هاوس كوبر” (ب.و.ك)(1) التي أعدت الدراسة، وقفت على المجهودات الضعيفة التي قامت بها البلدان المصنعة لحدود الآن. فحسب “ب.و.ك” يجب تقليص حجم الكاربون في الإقتصاد العالمي إلى مستوى 5،1 في المائة في السنة من الآن إلى 2050، بأمل استقرار ارتفاع الحرارة بدرجتين في أفق نهاية القرن الحالي.

يبدو أن الهدف لا يخلو من طموح، وإذا تفحصنا الواقع يتضح لنا الخطر الداهم وأننا بعيدين عن هذا الطموح. لم يتجاوز تقليص حجم الكاربون سنويا بين 2000 و2011 سوى 0،8 في المائة في المتوسط، وهو حساب انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون بعلاقة مع الإنتاج الداخلي الخام. وإذا استمر الوضع على هذه الوثيرة سيتجاوز حجم ثاني أوكسيد الكاربون المنبعث في الغلاف الجوي، الحجم المطلوب لاحترام هدف ارتفاع الحرارة بدرجتين. يجب مضاعفة المجهود ستة مرات لإحترام الإلتزامات الدولية. فحسب تحذيرات “ليو جونسون”، خبير ومسؤول في قسم المناخ في “ب.و.ك”، “بأننا سنتجه إلى ارتفاع الحرارة بستة درجات في أفق نهاية القرن، إذا اكتفينا بمضاعفة الوثيرة مرة واحدة في تقليص الكاربون”.

يبدو من خلال هذه الدراسة، الخاضعة للجدل بين الخبراء، وحتى في أقصى حالات التفاؤل بأن الأزمة المناخية تتعمق باستمرار وتزداد تعقيدا مع  أزمة النيوليبرالية كما يسميها البعض أو أزمة النموذج الليبرالي الإنتاجوي كما يسميها الإيكولوجيون. فكيف عمق هذا النموذج الأزمة الإيكولوجية؟ وهل بإمكان النموذج الليبرالي الإنتاجوي تجاوز أزمته دون تسوية الأزمات الإيكولوجية التي تسبب فيها؟

أزمة النموذج الليبرالي الإنتاجوي

انفتحت الأزمة العالمية خلال 2007 -2008 ، التي يمكن اعتبارها، في الحقيقة، أزمة كبرى لنموذج معين للتنمية: النموذج الليبرالي الإنتاجوي. وقد اتضحت هذه الأزمة مع انهيار بنك “ليمان براذرز”(1)  في شتنبر 2008 . وانتشار “ديون السيادة” في 2010 ، بمعنى استدانة الدول الأوروبية والأمريكية(2)، وبذلك أصبحت أعمق من الإنهيار الكبير في 1930. ربما يتطلب الأمر تسميتها “بالأزمة الكبرى” لأنها عنوان لنهاية نموذج معين للتنمية.

هذا النموذج الذي امتد من نهاية “الثلاثين المجيدة”، (1945-1975)إلى الآن. وهو النموذج الذي تميز بتجاوز أزمة الرأسمالية العالمية في السبعينات وما تخللها من أزمات مالية وصدمات بترولية. هذا النموذج،  الذي ساد منذ بداية الثمانينات مع سياسة “ريغن”  في أمريكا و”تاتشر” في بريطانيا، يدخل بدوره إلى أزمة، التي اعتبرها العديد من الاقتصاديين الليبراليين بأنها أزمة “للضبط المالي”، إنها أزمة ذات طابع مزدوج في الواقع،  الليبرالي والإنتاجوي في نفس الوقت. ومن هذا الطابع المزدوج للأزمة فإن الحل مزدوج كذلك، فهو في نفس الوقت اجتماعي وإيكولوجي(3). _______________________________________________

Price Waterhouse Coopers (برايس واترهاوس كوبرز) (1)   = وحدة من أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، تم تأسيسها سنة 1998 إثر اندماج برايس واترهاوس (التي تأسست في أمريكا في منتصف القرن 19) مع كوبرز وليبران والذين تأسسوا في لندن. تقوم بأعمال الاستشارة في العديد من الدول وفي العديد من المجالات، وهي متواجدة في أكثر من 154 دولة ويشتغل في شبكاتها عبر العالم ما يفوق 180 ألف موظف. كان مجموع إيرادتها للسنة المالية 2008 ما يقارب 28 مليار دولار.

Lehman Brothers (ليمان برادرز)(2)  كان بنك استثماري متعددة الجنسيات، تأسس سنة 1850 وتحولت قوته التأثيرية في العالم بتقديمه خدمات مالية متعددة، مقره المركزي في نيويورك وله فروع في كل من لندن وطوكيو. انهار وأفلس في 14 شتنبر 2008 بسبب الخسارة المهولة التي حدثت في سوق “الرهن العقاري”. كان لإفلاس البنك تأثيرات سلبية على الكثير من أسواق العالم، مما دفع إلى تسمية اليوم الذي أعلن فيه إفلاس البنك ب”الإثنين الأسود”

(3) مرجع سابق,

لابد من إيجاد حلول للأزمة المالية والإقتصادية، كما كان عليه الحال في الأزمة الكبرى لسنوات 1930. وبالطبع كما قال المؤرخ الفرنسي إرنست لابروس “كل مجتمع له ظرفية بنيته”، فالبنية

  المركبة للنموذج الليبرالي-الإنتاجوي تحدد مدى التعقيد الذي تعرفه هذه الأزمة. لقد انطلقت هذه الأزمة بشكل مالي وبرصوي، لكنها أبرزت بسرعة جذورها الإجتماعية والماكروإقتصادية. تفاحش الغنى بالنسبة للأغنياء وتعمق الفقر بالنسبة للأجراء. فأزمة “ضعف الاستهلاك” أصبحت حتمية. فإذا كان روزفيلت قد اعتمد مخطط “العهد الجديد” للتنمية وتجاوز أزمة سنوات 1930 مرتكزا على “الكينزية”، فإن الأزمة الحالية لا يمكن أن تعتمد نفس الحلول. فاعتماد “الفوردية” لن يزيد إلا في تعميق الأزمة: صدمة جديدة في أثمنة مواد التغذية والبترول، وتعميق للأزمة المناخية، وإذا سار البحث في اتجاه مخرج نووي، فإننا سنكون أمام “فوكوشيمات” جديدة…

فلا ينحصر الأمر في إضفاء مسحة خضراء على بعض الميزانيات العادية، بدعم عمومي لبعض التكنلوجيات الخضراء، وتجاهل التفاوتات العميقة في أصل البعد الليبرالي للأزمة وضرورة إصلاحات إجتماعية عميقة. إنه خطأ جوهري، ذلك، أن المظاهر المالية والإجتماعية والإيكولوجية للأزمة مرتبطة فيما بينها بنسيج يجعل كل الحلول الجزئية تبقى دون جدوى، إن لم تشكل مجالا لتعميق الأزمة مستقبلا بالنسبة لحياة البشرية جمعاء. إننا في حاجة إلى ميثاق أخضر، إيكولوجي واجتماعي في نفس الوقت، على الصعيد العالمي. سماه “ألان ليبييز” العهد الأخضر(+).

تابعت منظمة التغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، بقلق كبير ارتفاع أثمنة مواد التغذية، سنة 2007، التي أدت إلى ارتفاع حالات سوء التغذية في البلدان الأقل تقدما. انتفاضات الجوع عمت العديد من بلدان العالم، رغم أنه لم تسجل حالات جوع خاصة ناتجة عن كوارث طبيعية في هذه الظرفية كالجفاف أوالفيضانات. تسجل حاليا وفاة طفل يبلغ أقل من عشر سنوات من جراء الجوع كل خمس ثواني في العالم.(+)

اتخذت أزمة التغذية في البلدان الغربية “المتقدمة” شكل ارتفاع أثمان مواد التغذية، وذلك بالموازاة مع ارتفاع متسارع لثمن البترول ومشتقاته. أدى هذا في البلدان الأوروبية وأمريكا الشمالية إلى ارتفاع تكاليف الحياة بالنسبة للعائلات الفقيرة والطبقات المتوسطة. أمام المؤشرات الرسمية التي تنفي هذا الواقع، يجيب الأخصائيون في الإحصاء بأن المؤشرات الرسمية تريد إخفاء الواقع لإبراز استقرار الأثمان بجمعها بين المواد التي تعتبر ضرورية في الاستهلاك (التغذية، التدفئة، النقل، و كذلك السكن في العديد من البلدان)، والمواد الخاضعة للشروط المادية للمستهلك التي تبقى مصاريفها متقطعة مثل التلفزة واللباس وكل المواد المصنعة، والتي أصبحت تعرف منافسة قوية من طرف البلدان الصاعدة في الجنوب. وهي المواد التي تعرف تراجع في أثمنتها بخلاف مواد التغذية التي تزداد ارتفاعا.

منذ 2007 وجدت الأسر المستضعفة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أمام اختيار صعب دون حلول : تأدية مصاريف التغذية، وتأدية مصاريف السيارة (للتمكن من الوصول إلى العمل) أو تأدية قروض السكن “الرهن العقاري”(+) (ما يعني قروض غير ملائمة، بحيث يخضع رسمها لحركية السوق المالية، مما يؤدي الى ارتفاع حصص القروض باستمرار إلى أن وصلت إلى درجة لا تطاق). فما بين صيف 2007 وصيف 2008 قاطعت عشرات الملايين من الأسر أداء حصص القروض لبيوتها، بل وتخلت عن منازلها المرهونة في سوق وصل درجة الإشباع. مما أدى إلى انهيار القيمة المالية لهذه الملكيات وبالضرورة انهيار الأبناك المانحة. ونظرا لانتشار رسوم الإعتراف بالدين الملائمة في السوق المالي العالمي، وصل الإنهيار العام للنظام المالي العالمي الذي اختنق بهذه الرسوم “السامة” في صيف 2008.

لقد أدى هذا الإنهيار المالي والأزمة الإقتصادية التي صاحبته إلى انخفاض أثمنة مواد التغذية وأثمنة البترول وكل المواد الأولية على الصعيد العالمي. لكنه بمجرد استقرار بسيط للوضعية في أمريكا الشمالية وبعض البلدان الأوروبية، إضافة إلى استمرار النمو في البلدان الصاعدة في الجنوب (الصين، والهند، والبرازيل…)، استرجعت السوق على الصعيد العالمي نفس أثمان النصف الأول من سنة 2008 للمواد الأساسية المستخرجة من الأرض، التغذية والطاقة. عرفت سنة 2011 أعلى المؤشرات تاريخيا في مواد الطاقة والتغذية. فهذه العلاقة بين البشرية والثروتين الأساسيتين التي تمنحهما الأرض للإنسان، تعتبر علاقة بنيوية: لا يمكن إرجاع هذه الأزمة نتيجة انفجار الطلب في منتصف سنوات 2000، بل إنه مؤشر عن الندرة للثروات التي تجود بها الطبيعة.

تعتبر الندرة من الأزمات الإيكولوجية القديمة في التاريخ الطويل لعلاقة الإنسان مع الطبيعة. إننا هنا أمام أزمة ندرة التي فجرت الأزمة الإقتصادية بسبب غلاء أسعار المواد المنتجة من الأرض، وهي أزمة ندرة نسبية. ذلك أن الفلاحة عرفت تطورات هامة على امتداد العصور، وعرفت ساكنة الكرة الأرضية نموا مضطردا، وكل دراسات الخبراء تتوقع تجاوزها 9،3 مليار نسمة مع منتصف القرن 21. لم تتجاوز الساكنة قدرة تحمل الكرة الأرضية بعد، فيما يخص توفير التغذية الكافية، ولكنها تتجه نحو حدود النظام البيئي الكوني. إنها أزمة نموذج للتنمية، أزمة النموذج الليبرالي الإنتاجوي.

نجد في هذه الوضعية نوعا من التسلسل بين الأزمة الإيكولوجية وأزمة قطاع التصنيع، يحيلنا على نموذج “أزمات النظام القديم”(+) كما يسميها فرناند بروديل وإرنيست لابروس. تؤدي سلسلة من الحصاد السيء إلى ارتفاع أثمان مواد التغذية وتدني أجور العمال والعاملات الزراعيين. يهاجر هؤلاء إلى المدن ويدفعون أجور العمال الحضريين إلى التدني. أمام ارتفاع أسعار مواد التغذية، تتقلص لدى كل العمال إمكانية الإستهلاك في المواد الأخرى، وخاصة المصنعة (النسيج مثلا…)، مما يدخلها بدورها في أزمة. إنه تسلسل مشابه لأزمة الرهن العقاري (سوبرايم)، وكما نلاحظ، فهذا التسلسل يفترض علاقة أجرية معينة: لأن الأجور منخفضة جدا وخاضعة للمرونة (وتزداد انخفاضا مع الجمود الاقتصادي) يؤدي ارتفاع أثمان مواد التغذية إلى الأزمة العامة. تشكل الأزمة العالمية في التغذية والطاقة لسنة 2007 تداخلا للأزمة الإيكولوجية وأزمة الليبرالية.

الملاحظ هو أن الطلب العالمي عرف قفزة خلال سنوات 2000 في مواد التغذية والطاقة رغم جمود الأجور، وهذا النمو السريع في الطلب لا يوازيه في المقابل نمو في الإنتاج الطاقي والفلاحي. يعني هذا أن هناك فئات اجتماعية على الصعيد العالمي تغتني من جمود الأجور: الأغنياء الجدد في البلدان المصنعة في الشمال، والطبقات الوسطى في البلدان الصاعدة. بمعنى أن الأزمة الإيكولوجية العالمية الحالية ليست فقط “أزمة ندرة” ولو نسبية، ولكنها بالأساس، وكذلك، أزمة اجتماعية، إنها أزمة توزيع وأزمة وفرة وكثرة الاستهلاك: فعدد الأغنياء في العالم الذين يستهلكون بشكل لا يطاق مواد الطبيعة يتزايد باستمرار.

وبخلاف “أزمات النظام القديم” كما يحلو لبروديل وبروس تسميتها،بحيث تتأثر بالأزمة البلدان التي عرفت حصاد فلاحي سيء، فإن الأزمة الحالية تكتسي طابعها العولمي، وهي ناتجة بالأساس من دينامية نموذج التنمية التي خلقها النظام الرأسمالي النيوليبرالي، والذي يشكل في نفس الوقت أصل الداء: الليبرالية-الإنتاجوية هي التي خلقت هذا التوتر الدائم بين الإنسان والطبيعة.

يمكن تلخيص الأزمة الإيكولوجية الكبرى للقرن 21 في إلتقاء عقدتين للأزمة الإيكولوجية، وهما العقدتين الملتقيتين في عمق الدينامية الداخلية للنموذج الليبرالي – الإنتاجوي : العقدة الأولى هي “مثلث أزمات الطاقة”، والعقدة الثانية هي “مربع النزاعات في استعمال التراب”، هاتين العقدتين تجدان تفسيرهما في الأزمة المالية والإقتصادية والإجتماعية للنموذج الرأسمالي النيوليبرالي الذي هيمن عالميا منذ سنوات 1980 . والحال أن هذا النموذج الليبرالي يؤثر بشكل كبير على تطور عقدتي الأزمة الإيكولوجية إن لم نقل أنه يشكل سببها. لذلك نقول بأن هذا النموذج يعرف أزمة عميقة، إنها أزمة النموذج الليبرالي – الإنتاجوي.

الأزمة الإيكولوجية

لنقف إذن، على مكونات الأزمة الإيكولوجية في بداية قرننا الحالي والتي تتشكل، كما أسلفنا، من إلتقاء عقدتين للأزمة. لعل الأكثر شيوعا هو مثلث أخطار الطاقة. يتم إنتاج الطاقة حاليا بثلاث وسائل: الطاقة الأحفورية (الفحم الحجري والبترول والغاز الطبيعي)، والطاقة النووية، والطاقة المستخرجة من الكتلة البيولوجية (الخشب والوقود الحيوي). شكل القرن الماضي قرن الطاقة الأحفورية خاصة الغاز الطبيعي والبترول بكل مشتقاته، وهي الزاوية الأولى في المثلث. آثار الطاقة الأحفورية أصبحت واضحة للجميع، وتعرضنا لها غير ما مرة على امتداد فقرات هذا الكتاب، ومؤشرات نضوبها أصبحت واضحة وموضوع دراسات متعددة. ولعل محاولات الولايات المتحدة الأمريكية، للإحتفاظ باحتياطي للغاز الطبيعي، عبر استغلال “غاز الشيست” بدعوى أنه أقل تكلفة (وهو معطى خاطئ)، تسببت في خراب بيئي كبير. خاصة وأن استغلال “غاز الشيست” يؤدي إلى أخطر اضطراب في تاريخ النظام البيئي: ألا وهو التحولات المناخية، وتلويث الفرشة المائية بالمواد المشعة والسامة، إضافة إلى الإستغلال الكثيف للماء عبر طريقة الإنكسار الهيدروليكي.(+)

أخطار الزاوية الثانية، الطاقة النووية، ازدادت وضوحا مع حوادث “فوكوشيما” التي ذكرت العالم وأكدت الأخطار الناجمة عن “تشرنوبيل”، مما جعل الحماس نحو النووي يتراجع نسبيا بالمقارنة مع سبعينات وثمانينات القرن الماضي إبان الأزمة البترولية الأولى. يضاف إلى ذلك أخطار انتشار التسلح النووي (إيران، كوريا الشمالية )(+)، والمشكل الدائم للتخلص من النفايات النووية.

الزاوية الثالثة للمثلث، هي الوقود الحيوي، إنها أقدم طاقة عرفها الإنسان (استعمال نار الخشب لمئات الآلاف من السنين)، وهي الدائمة (بالنسبة لأغلبية البشرية يبقى الخشب أول المحروقات)، وربما ستبقى في المستقبل مصاحبة للإنسان، لأننا نجدها في كل سيناريوهات الخروج من أزمة الطاقة (أنظر نيغاواط)(+). لكن طاقة الوقود الحيوي لها أخطارها كذلك، فبغض النظر عن الحرائق: تتمفصل هذه الطاقة مع “مربع استعمال التراب.

تتنازع المربع في استعمال التراب أربع مجالات (+):

 الأول- إنتاج التغذية للإنسان. الثاني-إنتاج التغذية للماشية. الثالث- إنتاج الوقود الحيوي للطهي والتدفئة والآلات. الرابع- الإحتفاظ باحتياطي من الطبيعة عذراء للتنوع البيولوجي.

كيف إذن ترتبط أزمة النموذج الليبرالي الإنتاجوي بعقدتي الأزمة الإيكولوجية، من خلال الإمتداد الكوني وتجليات الأزمة الإقتصادية خلال سنوات بدايات القرن 21 ؟ تتميز مجتمعاتنا  في الحقيقة، بنوع من الشراهة في الاستهلاك من طرف مختلف فئات الأغنياء وكذلك الفئات المستضعفة والمتوسطة التي تعتمد الإستهلاك بالقروض، وهذا يعتبر من سمات الإنتاجوية. هذا ما مكن من تحريك الآلة الإقتصادية عن طريق استهلاك مفترس أدى إلى أزمة مركبة للمثلث والمربع في نفس الوقت. فردود فعل النظام الليبرالي الإنتاجوي على تزايد أزمات مثلث أخطار الطاقة أدت إلى تعميق عقدة مربع استعمال التراب.

كيف ذلك؟

اعتمد نموذج التنمية بعد الحرب العالمية الثانية (الفوردية بين 1945-1975) على كل مصادر الطاقة الممكنة، وخاصة البترول – يعتبر القرن 20 عصر البترول بامتياز-. أدى استعمال سلاح البترول على إثر حرب أكتوبر 1973، إلى الأزمة البترولية الأولى، ودفع بعض البلدان إلى التوجه إلى الطاقة النووية، قبل بروز المؤشرات الأولى لنضوب البترول. ومنذ منتصف سنوات 2000 اتجهت نخبة من المنتجين إلى استعمال الوقود الحيوي، نتيجة للوعي بأخطار النووي ( ثري مايل إيزلاند، وتشيرنوبيل)، وكذلك للنتائج الكارثية للغازات الدفيئة التي تتسبب فيها المحروقات الأحفورية. يضاف إلى ذلك أن صعود قوى جديدة من بلدان الجنوب مثل الصين والهند والبرازيل (كانت بالأمس القريب ذات استهلاك ضعيف)، أدى إلى بروز طبقات متوسطة واسعة اتخذت عادات استهلاكية مماثلة للبلدان الشمالية الغربية سواء في وسائل التنقل أوالتغذية. مما أدى إلى ارتفاع الطلب بشكل يتجاوز قدرات الإنتاج خلال سنوات الألفين ودفع إلى ارتفاع أثمان الطاقة بشكل مستمر.

هنا تتقاطع أزمة الطاقة مع أزمة التغذية. إن ارتفاع الاستهلاك على الطريقة الغربية الذي اتخذته طبقة متوسطة واسعة في البلدان الصاعدة خلال 20 سنة( 10 في المائة من ساكنة البرازيل والصين والهند، وهو مايوازي اتحاد أوربي إضافي) أدى إلى ارتفاع مهول لإستهلاك اللحوم. والحال أن إنتاج البروتين الحيواني يتطلب أضعاف عشرة مرات من المساحة التي يتطلبها إنتاج البروتين النباتي، سواء كان على شكل مراعي أو حقول لإنتاج الذرة أو السوجا أو مادة أخرى…إننا هنا في وضعية التنازع بين تغذية البشر وتغذية الماشية.

في نفس الشروط فإن تطور الاحتباس الحراري (الذي يتسبب فيه النظام الغذائي-الفلاحي العالمي بنحو النصف) أدى إلى موجات من الحرارة على امتداد عدة سنوات، وإلى حرائق خطيرة في الغابات والمزروعات. عمت الحرائق في أستراليا سنوات 2006-2007 ، وتبعتها روسيا وأوكرانيا سنة 2010 ، الشيء الذي أدى إلى الحد، لزمن معين، من إمكانيات المربع. وهو أمر أصبح كثير التكرار على أية حال. أمام أزمة الطاقة الأحفورية والمقاومة المدنية لمحاولات الرجوع إلى النووي، حتى قبل انفجار أزمة فوكوشيما، اتجه النظام الليبرالي الإنتاجوي إلى الوقود الحيوي. والحال أن توسيع مجال الزراعات المخصصة للوقود الحيوي (الحبوب والزيوت) يؤدي إلى تقليص مساحة الأراضي المخصصة للتغذية البشرية: إنه تنازع المحروقات مع تغذية البشر.

بالنسبة للزاوية الرابعة من مربع استعمال التراب، الإحتياطي المخصص  للتنوع البيولوجي والذي يتضمن المناطق الرطبة (الخاضعة مبدئيا لإتفاقيات “رامسار”(+))، استعملت باستمرار ومنذ قرون كمتغير للتقويم. مع الأسف، تنتزع هذه الأراضي من الفلاحين الفقراء وأصحابها الأصليين الذين ألفوا التعامل معها واحترام التنوع البيولوجي كعادات موروثة في الزراعة المعاشية من جيل لآخر على امتداد آلاف السنين، ويتم تسليمها للشركات عابرة الجنسيات، صاحبة التجهيزات التقنية القوية لتقليب التراب، والآلات الفلاحية المتطورة، معرضة بذلك المناطق الرطبة للخطر، هذه المناطق التي شكلت باستمرار محافظا على ثبات الحرارة الطبيعي ومحافظا على حماية النظام الإيكولوجي الكوني: خزاناتها الجينية غير المعروفة. ورغم هذا الدمار غير المسؤول لموروث لا يقدر بثمن، لا نلمس تأثيره على الأثمان العالمية لمواد التغذية، حيث وصلت إلى أعلى مستوياتها التاريخية.

حين تتحرك آلة الندرة النسبية في التغذية، والتي تكون أحيانا مختلقة، تفاقمها المضاربات في السوق. المضاربات التجارية، بداية: على سبيل المثال، استغل الوكلاء الدوليين وتجار الجملة قرار الهند بتوقيف صادراتها من الأرز، لينطلقوا في خزن المنتوج بهدف رفع الثمن في السوق. ثم تتدخل المضاربات المالية، فالأثمان التي كانت مرشحة لتتضاعف بمرتين أو ثلاث حسب قانون العرض والطلب، تصبح مضاعفة خمس أو ست مرات.

هذا هو واقع مربع استعمال التراب بشكل مبسط، وهو واقع يبرز العمليات المختلفة التي أدت إلى الإرتفاع المستمر في السوق الدولية لأثمان البترول ومواد التغذية في بداية القرن 21 التي وصلت إلى قمتها في يوليوز 2008. وإذا أضفنا إلى ذلك سياسات التقويم الهيكلي المملاة على بلدان الجنوب من طرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ انتصار النموذج الليبرالي الإنتاجوي، والتي فرضت على هذه البلدان التخلي عن زراعاتها المعاشية وعن الحماية الجمركية لصالح الفلاحة التصديرية (رغم النداءات المتأخرة جدا لمنظمة الأغذية والزراعة “فاو” التي تدعو إلى الإستثمار في الإنتاج المعيشي)، وإذا تذكرنا بأن نفس المستشارين الدوليين يأمرون الدول بإلغاء الدعم العمومي لمواد التغذية، نفهم لماذا تجد الجماهير الشعبية في الحواضر والبوادي ببلدان الجنوب بأن أثمان مواد التغذية تعكس حقيقتها المستمرة، الإرتفاع في السوق العالمية. هذا التسلسل البنيوي والظرفي في نفس الوقت مرتبط بمنطق النموذج الليبرالي الإنتاجوي.

هناك عامل إضافي في الأزمة تعود جذوره إلى البدايات الأولى للرأسمالية، يكتسي تسلسله أهمية كبرى في نفس مستوى التفاعل الذي يعرفه مثلث أخطار الطاقة ومربع تنازع استعمال التراب، إنه انقطاع دورة الآزوت (النيتروجين).

إنها دورة تتكون من إلتقاط الآزوت في الهواء بالبكتيريا العضوية (ريزوبيوم) أو جذور الخضراوات، وعن طريقها تنتج النباتات البروتين، والتي تشكل تغذية للإنسان والحيوان. تشكل فضلات الإنسان والحيوان سماد طبيعي يحتوي الأزوت للنبات، حين يرجع إلى الأرض، بطبيعة الحال. والحال أن المعظلة تكمن في انقطاع هذا الرجوع إلى الأرض نتيجة لإنفصال المدينة والبادية، والنقل الكثيف للمواد الفلاحية والماشية إلى الاستهلاك الحضري، التي تصبح ضحية التسممات من الفضلات التي يتم التخلص منها عبر الصرف “الصحي” إلى الأنهار والبحر.

حين أخضع كارل ماركس للتحليل هذا التعارض بين المدينة والبادية، مبرزا التوجه الرأسمالي في تسريع وثيرة التمدن، كان يهدف إلى تحليل العلاقة السلعية والاستيلاب الذي تحدثه. ولكن كذلك، وهذا ما يتم تغافله، كان يتكلم عن انقطاع دورة الأزوت. فإذا كانت الثورة الزراعية الأولى التي عرفها الغرب أخذت بعين الإعتبار هذا الجانب باعتماد “دورة التناوب الزراعية الثلاثية”، فإن الثورة الصناعية الرأسمالية وتسريع وثيرة التمدن، أغفلت هذا العنصر. أفضع من ذلك، فإن الطلب المتزايد للحواضر بتوفير مواد التغذية أدى إلى التخصصات الجهوية والزراعة الكثيفة، بتفريق الزراعة عن تربية المواشي. بل سيصل الأمر إلى توزيع جغرافي للتخصصات وصلت إلى التفريق بين الحبوب والزيوت.

منذ بداية سنوات 1840 نظر جوستيس لييبغ(+) لدورة الأزوت، وهو الذي اعتبره ماركس “أهم من كل الإقتصاديين مجتمعين”. لقد قاس لييبغ خطورة إضعاف الأزوت المتسرب عضويا في الحقول، ونادى باستعمال أسمدة الأزوت. إنها الثورة الزراعية الثانية، تلك التي تستعمل الأسمدة. يوجد الأزوت في المناجم، لكن أغلب مناجم “النيترات” تعرضت للنضوب بفعل الاستغلال المكثف الذي استدعته الفلاحة المكثفة في البلدان المتقدمة في أوربا وأمريكا الشمالية، هذا ما يفسر تشاؤم لييبغ منذ ما يقرب قرن ونصف، حين نظر لأول أزمة إيكولوجية في ظل الرأسمالية: انقطاع دورة الأزوت. وأصبحت هذه المسألة لدى ماركس والماركسيين الأوائل إلى حدود الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر، أول اهتمام إيكولوجي: ما كانوا يسمونه “القطيعة الإستقلابية”(+).

تعرض فكتور هيغو كذلك للموضوع من خلال رواية “البؤساء” ورحلة “جان فلجان” في الصرف الصحي بباريس في إحدى فصول الرواية، وكذلك من خلال دراسة نظرية معمقة حول تفقير التربة من الأزوت من خلال رمي الفضلات في البحر. كما يقول :”التربة تتعرض للتفقير بالبحر”. ويضيف في دراسته، بأن فرنسا بفقدانها لأسمدتها الحاملة للأزوت في البحر تضيع ربع ميزانيتها السنوية.

عملت الليبرالية الإنتاجوية على تعويض الأسمدة البيولوجية بالإعتماد على الأسمدة الصناعية، لا يهمها في نهاية المطاف إلا تحقيق أعلى درجات الربح، واتخذت نموذجا لإنتاج التغذية ملتهم للطاقة ومتسبب للتلوث بدرجة عالية من خلال انتاجه غازات دفيئة متعددة (الميتان من تربية الماشية، بعض الانتاجات الفلاحية وصناعات الأسمدة، والتحويل والتلفيف). يشكل خلق التقارب بين مختلف مكونات الحياة في البادية كالتكامل بين الزراعة وتربية الماشية، ما يسمى حاليا ب”الفلاحة الإيكولوجية المكثفة”، مخرجا ممكنا من هذا المأزق.

يتضح من خلال كل ما سبق بأن الأزمة الإيكولوجية الحالية مرتبطة عضويا بالنموذج الليبرالي الإنتاجوي وبالتالي فهي داخلية، وأن البلدان التي تستطيع تحويل التوجه نحو تنمية إيكولوجية بإحداث القطيعة مع تكنلوجيات القرن الماضي المعتمدة على البترول والنووي، وبناء نظام غذائ

يعتمد على السيادة المحلية وتطوير “فلاحة مكثفة إيكولوجيا” يحقق السبق في القرن 21 ويضمن الأمن الغذائي ويحقق مداخل التنمية المستديمة.

يبقى أن الأزمة الحالية هي كذلك أزمة مالية تتطلب الضبط، وهي أزمة اقتصادية واجتماعية تتطلب توزيع جديد للثروات بشكل عادل وعلى الصعيد الكوني، مما يتطلب مخططا جديدا من نوع “العهد الجديد” لروزفلت(+). إلا أنه ليس من صنف حلاوة العيش الأمريكية لأنه غير ممكن إيكولوجيا. ولعل “المهاتما غاندي” لخص الأمر بشكل حكيم وواضح: “إذا قامت أمة من 300 ملايين نسمة(بالتقريب ساكنة الهند والصين في تلك الظروف) بنفس الأسلوب للاستغلال الاقتصادي (أسلوب بريطانيا إبان الثورة الصناعية) ستخرب العالم مثل غمامة من الجراد”.

Moncef Benaissi

The author didn't add any Information to his profile yet.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked. *