ضبط الأزمات الايكولوجية لحماية المستقبل

ضبط الأزمات الايكولوجية لحماية المستقبل

 عمر الزيدي:  ايكولوجيا الامل

الفصل السادس : ضبط الأزمات الايكولوجية لحماية المستقبل

2- إيقاف تعميم الأزمات المحلية وتدجين الإقتصاد العالمي

تتميز الأزمات الإيكولوجية، عدا تنوعها وتعقدها وأصولها الملموسة، بالقدرات البشرية لمعالجتها. فأول تمييز يفرض نفسه، هو التمييز بين “الأزمات المحلية” والأزمات الكونية”.

الأزمات المحلية والأزمات الكونية

 كل الأزمات الإيكولوجية الحديثة ناتجة عن خلل وظيفي للنظام الاجتماعي-الإقتصادي، أو بشكل أدق استحالة “تحمل” دينامية هذا النظام، أخذا بعين الإعتبار البيئة الموروثة من الماضي. لكننا، نعني “بالنظام الاجتماعي-الإقتصادي” ذلك الذي تبناه مجتمعا معينا.  فبالنسبة لبلادنا مثلا، المغرب، لقد دخل الدورة الإقتصادية الرأسمالية العالمية من خلال الدخول الإستعماري كبنية وافدة، مستغلة الثروات والبشر، فارضة السيادة على البنيات الإقتصادية والإجتماعية الموروثة التي كانت تتطور وفق شروطها الخاصة وإمكانيات التحمل الإيكولوجي في توازن خاص وموروث مع الطبيعة. ومنذ الإستقلال تطورت بنيات مغربية اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالمتروبول، ثم مع الإقتصاد العالمي في زمن اكتساح العولمة.

وعلى المستوى الإيكولوجي فقد عرف المغرب تنمية غير متوازنة، مجاليا واجتماعيا، وذات سرعات مختلفة خلال الخمسين سنة الماضية. مما أحدث تدهورا ملموسا للبيئة نتيجة التزايد الديمغرافي واتساع المجال الحضري بشكل عشوائي، والنمو الاقتصادي في ظل سيادة الريع والضغط على الموارد الطبيعية وتدهور المشهد الحضري وانتشار الأحياء الهامشية إضافة الى التدهور الكمي والكيفي للموارد المائية وتهديد التنوع البيولوجي وتراجع مساحة الغابات وانجراف التربة واحتداد ظاهرة التصحر وتزايد أشكال التلوث وانعكاس كل ذلك على الاطار المعيشي والصحي للساكنة. فالقيمة المقدرة لتكلفة تدهور بيئتنا تمثل 20 مليار درهم سنويا، وهو ما يقارب 8 % من الناتج الداخلي الخام. لقد راكمت بلادنا وضعية حرجة على المستوى البيئي نتيجة لتقلبات المناخ من جهة ونتيجة للتطور اللامتكافئ وغير المتوازن للانتاج من جهة ثانية. ونتيجة كذلك لضعف الوعي بمسألة البيئة عموما.

تعتبر الموارد الطبيعية رأسمال وضمانة للتنمية بالنسبة للأجيال الحالية والمقبلة، وهو مايتطلب تدبيرا عقلانيا ومتبصرا لمواجهة مختلف التحديات التي تتطلبها التنمية المستدامة بما يوفر تعميم الاستفادة من الثروة، ومواجهة الاختلالات المتراكمة على امتداد الجيلين السابقين وتحقيق التقدم الملائم الذي يوفر الحياة الكريمة للمواطنين والمواطنات، ويجعل بلادنا في منآى عن التأثيرات السلبية للعولمة الكاسحة. ويبدو أن الدولة دخلت في برنامج واسع لمواجهة التحديات البيئية، سواء على المستوى التشريعي، أو المؤسسي(الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى تعدد الإدارات المكلفة ببعض مجالات البيئة)، أو العملي في مجال الطاقة البديلة الشمسية والريحية، أو التدبير العقلاني للماء أو التشجير إلى غير ذلك من المبادرات، التي رغم جديتها تبقى عاجزة أمام لوبيات الاستثمار التي تلوث البيئة(مثل صناعات البلاستيك والجلد، والمعامل القديمة والمشاريع السياحية، والمنعشين العقاريين الذين يهددون النظام البيئي بالبناء في الشواطئ في غياب قانون السواحل الخ… )، مما يتطلب تفعيل مقتضيات الميثاق والحزم في تطبيق القانون ومواجهة لوبيات الريع الاقتصادي ومختلف أنواع المفسدين, فالمفسدون في البيئة والاقتصاد هم نفس المفسدين على المستوى السياسي.

لدينا بالملموس ضحايا لأزمات إيكولوجية ينتمون تقريبا إلى كل المجتمع، هذا المجتمع المنتظم وطنيا، أومحليا،  يتعرض إلى اختلال وظيفي بسبب هذه الأزمات: نسميها أزمات محلية. وهناك أزمات إيكولوجية يصل تأثيرها إلى كل بقاع العالم، رغم أن أصولها تعود إلى اختلال وظيفي محدد في مجتمعات معينة، التي نادرا ما تكون من الضحايا الأساسيين: إنها أزمات كونية.

تتوفر المجتمعات المعنية بالأزمات المحلية، نظريا، على وسائل المراقبة والضبط. و تستند هذه الوسائل إلى الأخلاق وروح المواطنة، وإلى القانون أو تنظيم السوق (لقد تعرضنا لمجموعة من هذه الوسائل في الفقرة السابقة من هذا الفصل). تتوفر مجموعات “الضحايا” في البلدان الديمقراطية على وسائل للضغط ومواجهة مجموعات “المسؤولين”: التظاهر، حملات الصحافة، العريضة، التصويت، القضاء.. وذلك في حالات التلوث المحلي للماء مثلا أو الهواء من طرف معمل محدد، أو “أوبئة صناعية” ناتجة عن مراقبة وتنظيم غير ملائمين على صعيد البلاد (عدم احترام اتفاقيات “رامسار”، البناء الإسمنتي في الشواطئ، استعمال “الأميانت” في البناء، مطارح الأزبال الخ..)، أو ازدحام الطرقات والتلوث الناتج عن ضعف نظام النقل الجماعي….الخ.

في وجهة أخرى، يرجع وبشكل واسع، تآكل طبقة الأوزون، وانحراف الإحتباس الحراري ونتائجه المهولة على البلدان المحادية للمحيط الهندي، على سبيل المثال، إلى النموذج الإقتصادي والصناعي الذي تطور، منذ عشرات السنين، في البلدان المتقدمة المنتسبة الى “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية” (أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان). ليست هناك أية آلية ديمقراطية، لتجنيب المجتمعات كضحايا محتملين هذه النتائج المهولة. ليس هناك سوى عمل واتفاقيات دبلوماسية تلزم البلدان المسؤولة على التقيد بممارسات جديدة.. إن ارتضت ذلك.

أية حماية إذن؟

يكون جزء من الأزمات المحلية بالضرورة “عابرا للحدود” بين البلدان: يؤدي القرب الجغرافي للحدود إلى سهولة التأثير على المجتمع الجار، وأحيانا يكون مكان التلوث هو الحدود نفسها – حالة فرنسا وسويسرا بمناسبة تلوث نهر الراين على إثر حادثة معمل بايير بسويسرا-، بسرعة تم الإهتداء الى نظام للضبط، أسفرت عنه المفاوضات الدبلوماسية.

تشكل معاهدة تلوث الغلاف الجوي، نموذج آخر لضبط الأزمات الكونية، وهي معاهدة ضد الأمطار الحمضية، مرشحة لتوسيع مجالاتها كما برز ذلك إثر الحادثة “العابرة للحدود” لتشيرنوبيل. وقعت هذه الحادثة بمعمل نووي في أوكرانيا، حيث كان تأثيرها ضعيفا، وبالمقابل فإن بيلاروسيا، البلد الجار، هو الذي تلقى الضربة المهولة التي تركته ينزف منذ عشرات السنين.

من جهة أخرى فإن هناك أزمات محلية معممة، بقوة تراكمها، تنتهي إلى خلق مشكل كوني. هكذا، فإن اقتلاع الغابة له عواقب خطيرة محليا، من حيث إفقار التربة وإثارة صيرورة لا تتوقف من التعريات، وله كذلك مساهمة كونية في الإحتباس الحراري. تصنيع الفلاحة المحلية هو الآخر، يؤدي إلى انهيار التنوع البيولوجي الكوني. في هذه الحالات يمكن للدبلوماسية الدولية أن تستند على التعبئة المحلية لترجيح المصلحة العامة. وهذا يتطلب مجهودا جماعيا، وتعبئة عامة، حتى لا تجد البلاد التي تقوم بمجهود في وضع متنافس أضعف. وتكون النتيجة “خاسر-خاسر”.

نعتقد أن البلدان المتقدمة في منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية تتحمل مسؤولية كبرى في الأزمات الإيكولوجية الكونية، وعلى رأسها أكبر أزمة تهدد القرن 21 : الإحتباس الحراري. لكن ثقلها في المفاوضات التجارية الدولية يمنحها، ومنذ السابق مسؤوليات خاصة بالنظر إلى قدرات المجتمعات المحلية في ضبط أزماتها الخاصة. لا تنتشر الأزمات الإيكولوجية فقط عن طريق الغلاف الجوي، الهواء أو المياه.. بل عبر السلع كذلك. والحال، أن نخب هذه الدول ركزت مجهودها على حرمان المجتمعات الديمقراطية المكونة لها من القدرة على “تدجين” السوق، بدعوى “الليبرالية الإقتصادية”.

لكن، هذه الدول نفسها، المنتمية إلى “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية”، بعد خروجها منهكة من الحرب العالمية الثانية، تبنت سياسة حمائية للإقتصاديات الوطنية عن طريق الحواجز الجمركية. فالدولة “الفوردية” كانت تعتبر هي المسؤولة عن التنمية الإقتصادية، ولم تكن تقبل بأن يتعرض “تدجينها” للإقتصاد لأي اضطراب من السوق العالمي. ومنذ سنوات 1970، اتضح عجز الدولة الوطنية على مواجهة الأزمة الإقتصادية للسبعينات. وهي أزمة ناتجة بشكل أساسي عن كوكبة الإقتصاد، ربما كان بالإمكان التفكير في تعاون أكثر تقدما بين المجموعة السياسية الدولية للتحكم في السوق، مادام الأمر يهم كل ساكنة الكوكب. لكن ما وقع هو العكس تماما: ترك السوق ينتظم لوحده، وهو الشيء الذي أدى إلى إضعاف سلطة الدول سنة بعد سنة، وبناء عليه إضعاف الديمقراطية نفسها.

عرفت العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي انتصار الليبرالية، وتعمق هذا الإنتصار مع سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة الشرقية للتجارب “الإشتراكية المحققة”. تحولت “الإتفاقية العامة حول أسعار الجمارك والتجارة”(الكاط) إلى “منظمة التجارة العالمية” قي أبريل 1994 بمراكش، وأصبحت اتفاقيات التجارة الدولية تفرض أكثر فأكثر قاعدة “التعامل الوطني مع المنتوج”: بمعنى أصبح التعامل مع كل السلع، أيا كان مصدرها، كمنتوج وطني، بغض النظر عن ظروف إنتاجها، هل تم استخدام الأطفال في الإنتاج أم لا؟ هل تم احترام شروط السلامة الصحية؟.. المهم هو حرية السوق..

لحسن الحظ، هناك حدود لم تتجرأ الليبرالية الإقتصادية على تجاوزها: وهي الحدود الصحية. كل البلدان ذات سيادة احتفظت لنفسها حق الحماية من السلع الخطيرة أو الفاسدة. هذه الحمائية الشرعية، لا تتعارض مع مبدأ “منظمة التجارة العالمية” فيما يخص “التعامل الوطني” مع المنتوج: إذا كان استيراد سلعة معينة ممنوعا، فإنتاجها واستهلاكها الوطني ممنوعا كذلك. فالحواجز العالمية التي وضعت في أسواق اللحوم على إثر بروز الحمى القلاعية تعتبر نموذجا لذلك.

لكن، الحمى القلاعية هي حالة لأزمة “تأتي من الطبيعة” ضد تربية الماشية. والحال أن الأزمات الإيكولوجية الحديثة “تأتي من التقنيات”. بمعنى أن الأمر غير مرتبط بالمنتوج نفسه بقدر ما هو مرتبط بطريقة إنتاجه. حين تنفتح الأزمة، تسترجع “الأنانية الوطنية المقدسة” شرعيتها، ذلك ما لاحظناه داخل الاتحاد الأوروبي نفسه خلال أزمة “جنون البقر”. فعلى امتداد قرون عديدة اعتاد البشر على استهلاك لحم الخروف دون خوف من أي أدى، حتى في الحالة التي كانت الخرفان تعاني فيها من مرض “الراجفة”. لكن، بدأ البريطانيون منذ سنوات 1970، يغذون الأبقار بهياكل الخرفان بعد سحقها وتحويلها إلى دقيق. وبشكل غير منتظر، تطور عند الأبقار مرض مشتق من “الراجفة”، وقد اتضح أنه ينتقل إلى الإنسان. فأغلقت حدود العالم، بداية من أوروبا، أمام هذه التقنيات البريطانية المعتمدة على هياكل الخرفان، وكذا منتوجاتها من الأبقار.

لتجنب هذه الأزمات أصبح مفروضا منذ ذلك الحين تبني “مبدأ الإحتياط”: وجوب تدخل الدولة للمنع أو إرجاء معاملة مشكوك في سلامتها. فالشك ليس هو اليقين، ويؤدي “مبدأ الإحتياط”  إلى أوضاع تكون فيها “الشرعية متنازع فيها”. بمعنى أن إنتاجات معينة قد تكون مسموح بها، لكنها تصبح مرفوضة من طرف الساكنة المعنية باستهلاكها نظرا للأخطار التي من الممكن أن تتسبب فيها. لا يمكن الإعتراض  بأن هناك مبالغة في تقدير الأخطار. كل مجتمع يحظى بالحق الكامل في اقترافه حماقات، مثل التدخين أو الموت في الحروب،وفي نفس الوقت رفض أي خطر ولو كان بسيطا في معالجة التغذية هرمونيا أو وراثيا. الديمقراطية هي الوحيدة المخولة للحسم في الموضوع اعتمادا على توضيحات الخبراء في المجال، انطلاقا من خبرتهم في الموضوع ولو كانت متناقضة. بمعنى آخر، لا يجب أن نقبل  بأن يفرض مجتمع معين على مجتمع آخر مواد تم إنتاجها بطرق يرفضها هو نفسه. إنه مبدأ :”لاتفعل بالآخر ما لا يريد أن تفعله به”.

لا شك أن هناك معركة على مستوى المنتظم الدولي في تطوير الإتفاقيات والقواعد في “منظمة التجارة العالمية” للحد من إمكانيات انتشار الأزمات الإيكولوجية المحلية، وذلك بتوسيع مبدأ “التعامل الوطني مع المنتوج” ليصبح “التعامل الوطني مع المنتوج وطرق الإنتاج”. هكذا يتمكن أي بلد لا يتفق على طريقة إنتاج مادة معينة، من رفض استيرادها. إنها معركة من أجل تطوير المعايير الدولية.

قضية المعايير الدولية

اعتقد بضرورة إضافة مبدأ “لا تفعل بالآخر ما لا تريد أن يفعله بك” إلى مبدأ ” لا تفعل بالآخر ما لا يريد أن تفعله به”. وهنا أشير إلى مشاكل “العدل البيئي الدولي”. أدى كفاح المواطنين والمواطنات في البلدان المتقدمة في الشمال، على امتداد أكثر من قرن ونصف من الزمن، إلى فرض معايير اجتماعية وبيئية. وأصبح الإغراء كبيرا بالنسبة للشركات العابرة للأوطان، بأن تتخلص من هذه المعايير، حين تشتغل(تنتج وتبيع) في البلدان “الصاعدة” أو المتخلفة. صحيح أن هناك نوع من الإرتخاء التشريعي يوفر استفادة واضحة بالنسبة للشركات العابرة للأوطان للإستثمار والتصنيع في بلدان الجنوب. لكنه بالمقابل، يصعب الإقناع بأن شروط “الإقلاع” الإقتصادي تقتضي فرقا شاسعا في المعايير المعتمدة حاليا في بلدان الشمال المتقدمة. مادامت التقنيات المستعملة، هي نفسها، تضمن انتاجا مماثلا، فإن المعايير المعتمدة يجب أن تكون مماثلة.

ليس المطلوب هو توحيد أجرة ساعة عمل، دون الأخذ بعين الإعتبار الفروق في الإنتاجية، ومجال العمل سواء على المستوى الإجتماعي أو البيئي. فوحدة الأجرة غير موجودة حتى في بلد واحد. المقارنة يجب أن تكون مرنة. المقارنة بين التشريعات الإجتماعية، ويشكل “المكتب الدولي للشغل” مرجعا في الموضوع. كيف يمكن القبول بتشغيل الأطفال، وفي بلدان تطلق الأقمار الصناعية ولها وضع متقدم في الصناعات المعلوماتية (الهند مثلا..).

ربما يتطلب الأمر هيئة تحكيمية أممية تصبح أحكامها مرجعا “لمنظمة التجارة العالمية”. فالشركات العابرة للأوطان قد تصل إلى درجة إبطال أو تغيير بعض المعايير التي اعتمدتها بعض البلدان المتقدمة من خلال آلياتها الديمقراطية. فالمطلوب هو الجواب على كيفية ضبط الاقتصاد العالمي وتدجين تطوره. تدعي الأنظمة الإمبريالية في الشمال (أوربا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان) القدرة على ضبط السوق العالمي، الأمر ليس بالسهولة التي يتصورونها. فلابد من التخلص أولا من ماضي إستعماري أليم امتد على طول قرن ونصف الماضية، ولازالت آثاره ماثلة في البنيات الاقتصادية والإجتماعية، وفي الثقافات، والنزاعات الجيو-سياسية والحروب…إلخ. يضاف إلى هذا، البلدان “الصاعدة” التي ترفض أي تحديد لإمكانيات تطورها الإقتصادي كيفما كانت طرق الإنتاج وأشكال تنظيمه، بدعوى أنه، لا يمكن رفض ما كان ممارسة جارية من طرف الإستعمارات السابقة.

ستتحرك مقاومات قوية من طرف نخب إنتاجوية في الجنوب ضد أي سياسة بيئية دولية تتخذها حكومات الشمال. ولن تعدم هذه النخب مبررات، من “حماية الوطن” و”الدفاع عن مقومات الوطن” و”الخصوصية الوطنية” للمعارضة والدفاع عن طرق إنتاج فظيعة إجتماعيا، وكارثية بيئيا.

أمام هذا التصلب “الوطني” والمواجهة المتطرفة التي لا تخدم شعوب الشمال و شعوب الجنوب في نفس الوقت، فالحاجة ملحة لحوار شمال- جنوب ينطلق من القاعدة، بين النقابات فيما بينها، والتنظيمات غير الحكومية من أجل فرض قواعد للإقتصاد العالمي.

3- الأزمات الإيكولوجية الكونية: الإحتباس الحراري

نتعرض حاليا لمرحلة متطورة من “التقدم” في مجال الأزمات الإيكولوجية: بدأ اكتشاف الأزمات الإيكولوجية “الكونية” منذ التسعينات من القرن الماضي، وهي أزمات تطال مختلف جهات المعمور باستقلالية عن المجتمع المتسبب فيها. أصبحت موضوعا لوسائل الإعلام بشكل مستمر، وخاصة الحديث عن “ثقب طبقة الأوزون” والتحولات المناخية بصفتها إحدى عواقب الإحتباس الحراري.

خلال التهيئ لندوة ريو 1992 عبر فرانسيسكو دي كاستري، ممثل اليونسكو، بانزعاج قائلا: “لماذا ننشغل بحماية النظام البيئي ضد خطر المناخ المعلن في منتصف القرن 21 ؟ سيتعرض هذا النظام البيئي للتخريب قبل عشرين سنة من ذلك، إن لم نقم بأي شيء”. وبالفعل فإن الأزمات الإيكولوجية الخطيرة الآن والمؤثرة على حياة البشر ومستقبله هي الأزمات المحلية التقليدية التي تعرضنا لبعضها في الفصول السابقة. تعاني إفريقيا من “أزمات الندرة”، التضخم السكاني، اجتثات الغابة، الرعي الجائر. أما أمريكا الجنوبية وآسيا، رغم ثوراتها الفلاحية – غير المكتملة على أية حال – لازالت تتخبط في أزمات متعددة مرتبطة بإعادة توزيع إنتاج الفلاحين. العالم كله يعرف هجرة قروية مكثفة إلى المراكز الحضرية، حيث تتكدس الساكنة الهشة في مدن صفيح غير صحية. تكشف اليونيسف في الهند عن واقع تشغيل الأطفال الذين، بالكاد، يتجاوز عمرهم ثلاث سنوات في معامل عود الثقاب، ومعامل كيماوية تنفجر وسط الأحياء الشعبية. تختنق مكسيكو وبانكوك من تلوث السيارات…إلخ.

يضاف إلى هذا، استغلال لوبيات الدفاع عن الصناعات النووية، الأزمة الكونية الناتجة عن الغازات الدفيئة، لإسناد دفوعاتهم عن الطاقة النووية. وكأن ضحايا “تشيرنوبيل”و”فوكوشيما”           الذين يتخوفون من إنجاب أطفال “مشوهين” (شهادة أليكسيفيتش(1))، سيهتمون بأحوال الطقس بعد خمسين سنة.

لنتفق بأن معالجة الأزمات الإيكولوجية الكونية تبتدئ من تسوية الأزمات المحلية، المتمثلة في محاربة الفقر والتهميش والقضاء على الجوع وسوء توزيع الثروات والإنصاف الاجتماعي والمناصفة والمساواة بين الجنسين، ومحاربة الأمية بكل أشكالها والحفاظ على الصحة، واحترام الحريات والحقوق وتسييد الديمقراطية التشاركية، وإشراك الجميع في القرار عبر آليات ديمقراطية شفافة.

هذه المعالجة ستشكل، لا محالة، الأساس وجوهر أي عمل موازي على المستوى الكوني لمواجهة

  الأزمات الإيكولوجية الكونية. فما هي هذه الأزمات الكونية؟

لأول مرة في التاريخ يجد النوع البشري، نفسه أمام مسؤولياته كنوع وليس كأوطان وحضارات، إنها مسؤولية الكوكب الأزرق بأكمله، مسؤولية بقاء النوع البشري في الكون.

لقد حركت الأزمة الإيكولوجية الكونية مختلف العلوم الإنسانية والعلوم الفيزيائية وباقي العلوم، وأنعشت النقاشات الفلسفية والأخلاقية التي ترجع الى موضوعات من تاريخ الثقافات، من قبيل: “هل أنا مسؤول عن أخي؟” أو “من سيخلفني؟”. سيتحدد مصير أطفالنا من خلال نجاحنا أو فشلنا. فكل سنة مرت إلا واقترب الأجل المحدد. إن “المدى البعيد” ليس كالأفق يبتعد كلما حاولنا الإقتراب منه، إنه زمن يسير نحونا بانتظام كما نسير نحوه، والسنوات الضائعة لا تعوض. لذلك لا يمكن للسياسة الإيكولوجية أن تعيش على أجواء الإنتظارية، انتظار تغييرات تخلص البشرية من الانتاجوية وغيرها، إنها صيرورة طويلة قد تؤدي إلى الكارثة. إننا مطالبون بالعمل بسرعة، مطالبون بعمل إصلاحي جذري سريع لا يقبل الإنتظار.

سنقف عند التنوع البيولوجي والإحتباس الحراري من بين الأزمات الإيكولوجية الكونية. نظرا لما تشكله من دور أساسي يرهن نمط تنميتنا المستقبلية، والخدمات الأساسية لبقاء النوع البشري: التغذية، التدفئة، الإنارة، التنقل ..إن الحلول التقنية التي ساعدتنا على تجاوز الأزمات السابقة، انقلبت علينا الآن، وأصبحت جزء من الأزمة. علينا الإبداع من جديد، علينا الإبداع.

الدفاع عن التنوع البيولوجي

تشكل الإتفاقيات الدولية في مجال البيئة، باستمرار، مناسبة للخلاف في صياغة بنودها، إن لم نقل، صراع بين الشمال والجنوب، وخاصة بين البلدان المتقدمة والبلدان الصاعدة. وربما تشكل “اتفاقية حماية طبقة الأوزون بفيينا سنة 1985″ (2) نموذجا للإتفاقيات في معالجة هذا بفيينا سنة 1985” (1) نموذجا للإتفاقيات في معالجة هذا الموضوع. تضم اتفاقية فيينا 21 مادة وملحقين مرفقين بها، صادق عليها المغرب في دجنبر 1995 ، وصدر ظهير بنشرها في الجريدة الرسمية في 18 فبراير 2009 . تشير الديباجة:

_______________________________________________

(1) Svetlana Alexievitch, La Supplication. Tchernobyl, chronique du monde après l’apocalypse, Jean-Claude Lattès, Paris, 1997.

 (2) ظهير شريف رقم 89-96-1 صادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير 2009) بنشر اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون الموقعة بفيينا في 22 مارس 1985 – منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية- قانون البيئة- عدد 235 مكرر/ 2011.

“إن الأطراف في هذه الاتفاقية،

إذ تدرك التأثير الضار المحتمل على الصحة البشرية وعلى البيئة من جراء حدوث تعديل في طبقة الأوزون،

وإذ تشير إلى الأحكام ذات الصلة من إعلان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية، وخاصة المبدأ 21 الذي ينص على أن للدول، وفقا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، الحق السيادي في استغلال مواردها الخاصة عملا بسياساتها البيئية الخاصة، وعليها مسؤولية ضمان ألا تسبب الأنشطة التي تقع داخل ولايتها أو تحت سيطرتها ضررا لبيئة الدول الأخرى أو لبيئة مناطق تقع خارج حدود ولايتها الوطنية،

وإذ تأخذ في اعتبارها ظروف البلدان النامية واحتياجاتها،

وإذ تضع في اعتبارها ما يجري من عمل ودراسات داخل كل من المنظمات الدولية والوطنية، وبوجه خاص خطة العمل العالمية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بشأن طبقة الأوزون،

وإذ لا يغيب عن بالها أيضا التدابير الاحتياطية لحماية طبقة الأوزون التي اتخذت بالفعل على الصعيدين الوطني والدولي،

وإذ تدرك أن تدابير حماية طبقة الأوزون من التعديلات الناجمة عن الأنشطة البشرية تتطلب تعاونا وعملا دوليين، وينبغي أن تبنى على الاعتبارات العلمية والتقنية ذات الصلة،

وإذ تدرك أيضا الحاجة إلى إجراء مزيد من البحث والرصد المنتظم لمواصلة تطوير المعرفة العلمية بطبقة الأوزون والآثار الضارة المحتملة الناجمة عن حدوث تعديل فيها،

وقد عقدت العزم على حماية الصحة البشرية والبيئة من الآثار الضارة الناجمة عن حدوث تعديلات في طبقة الأوزون،

اتفقت على ما يلي : …”

يتضح من خلال هذه الديباجة وخاصة العبارات التي شددنا عليها مراعاة ثلاث شروط هامة: 1- الحق السيادي في استغلال الموارد، مما يخول للبلدان المعنية الحق في الاستفادة من نتائج ذلك الاستغلال حسب سياساتها الاقتصادية والبيئية.

2- الأخذ بعين الإعتبار ظروف البلدان النامية، وهذا موضوع يكون دائما مثار جدل بين الشمال والجنوب، ذلك أن نخب البلدان الصاعدة تطمح إلى استغلال الثروات بنفس الطريقة التي كانت القوى الاستعمارية تستغلها على امتداد أكثر من قرن ونصف، وهو أمر مدمر للبيئة ولم يعد ممكنا مع الأضرار التي أصبح يتسبب فيها كونيا، مما يثير موضوع التعويض ودعم التنمية كمستحق للجنوب على الشمال …الخ.

3- المتطلبات العلمية والتقنية التي يجب اعتمادها في القرارات والخطط الخاصة بالبيئة، وهي مسألة هامة تفرض تكييفا للسياسات الاقتصادية اعتمادا على مراعاة الصحة البشرية والبيئية.

هذه الشروط توضح لنا من جهة أخرى “السيناريو” المعتمد للوصول إلى الاتفاقيات الدولية. صيرورة إنضاج اتفاقية ما في مجال البيئة، تتخذ عموما المنحى التالي:

أولا:يعتمد أي قرار على خبرة علمية واضحة، فالخبراء الذين يتوفرون على نظرة شمولية للظاهرة المطروحة للدراسة، يدقون ناقوس الخطر بعد دراستهم العلمية المدققة.

ثانيا: يتلقف المجتمع المدني هذا الإنذار، خاصة في البلدان المتقدمة ديمقراطيا، وتنطلق حركية المجتمع للضغط والإقتراح.

ثالثا: تلتقي بلدان “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية”، لأنها غالبا ما تكون هي المعنية الأولى نظرا لما تحدثه من استنزاف للطبيعة والإنسان. تجتمع للتوافق حول اتفاقية دولية في الموضوع.

رابعا: تنتبه حكومات البلدان “الصاعدة” وباقي بلدان الجنوب للموضوع في هذه المرحلة، وتنطلق الإحتجاجات أمام شعورهم بان ما كان ممكنا للبلدان المهيمنة منذ ما يفوق قرن ونصف، لم يعد ممكنا لهم، مما يهدد إمكانياتهم في التنمية. فتبدأ مبررات “الخصوصية” ومطالب التعويض إلى آخر الحكاية (مطالب الهند كانت واضحة في الموضوع خلال مؤتمر كوبنهاكن في 2009).

أمام هذا الإنحصار، لأن البلدان الصاعدة والنامية لها إمكانيات هائلة لتوقيف صيرورة أي اتفاقية دولية حول البيئة (دور الصين والهند في عرقلة اتفاقية كيوتو واضح، بحيث يصل إلى درجة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها)، يمكن تجاوز هذا التوقيف الإنتحاري باعتماد ثلاث شروط أساسية:

1- إن الإتفاقية المقترحة من طرف بلدان “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية” يجب أن تجيب بالفعل وبشكل واضع على التهديد الكوني، وأن تتحمل تلك البلدان بشكل واضح عبء القرار حتى لا يعيق حق البلدان الصاعدة والنامية في التنمية.

2- يجب أن تكون نتائج الاتفاقية لإنقاذ الكون، ملموسة. وكذلك يجب أن تشكل موضوع تحسيس وتوعية لكل ساكنة الأرض وخاصة في بلدان الجنوب، وفي هذا الجانب يكون دور المنظمات غير الحكومية أساسي وضروري.

3- يجب أن تتضمن الإتفاقية بعدا لإعادة توزيع الفوائد، حتى تتمكن البلدان الصاعدة والنامية من تسريع وثيرة تحقيق تنميتها. لأن استمرار الفقر والتهميش في إفريقيا مثلا، لا بد وأن يصل

إلى حزام المدن الأوروبية كيفما كانت الترسانة القانونية والأمنية/القمعية لمواجهة الهجرة “غير القانونية”. ذلك أن ثروات الكون حق لكل البشرية.

لنأخذ على سبيل المثال اتفاقية “التنوع البيولوجي”، التي رفضتها الولايات المتحدة في مؤتمر الأرض “ريو 1992 ثم قبلتها بعد ذلك. لا نعني بالتنوع البيولوجي، تنوع الحيوانات الكبرى (المحمية باتفاقيات واشنطن)، ولكن التنوع الجيني للنباتات والكائنات المجهرية. إنه اهتمام ودفاع عن التنوع البيولوجي غير المعروف، لم يخضع بعد لأي انتقاء.

معرفة التنوع البيولوجي محدودة وخاصة منه النباتات العشوائية أو أنواع مزروعات الفلاحة التقليدية. إنها تشكل نوع من “خزان لحصانة” الكون، بخلاف الأنواع المنتقاة في الفلاحة العصرية. فبفضل الجينات المحتفظ بها في نباتات عشوائية بالمكسيك في أمريكا الوسطى، تم إنقاذ الذرة الأمريكية، في بداية سبعينيات القرن الماضي، من الأمراض التي لحقتها. تشكل هذه الأعشاب المواد الأولية للصناعات الصيدلية والاستعمالات البيولوجية المختلفة. وتوجد هذه الأعشاب في البلدان النامية بالجنوب حيث لازالت الفلاحة تحافظ على طابعها التقليدي، في حين أن الصناعات المستعملة لتلك المواد توجد في الشمال(بلدان منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية). إنه نموذج للتنازع شمال-جنوب.

التوجه التلقائي للشمال يسير في اتجاه مجانية التنوع البيولوجي “الطبيعي”، وبالمقابل يتم انتقاء الجينات النافعة اعتمادا على شهادة “براءة الإختراع”. إنه موقف غير مقبول لدى بلدان الجنوب: بالنسبة لبلدان الجنوب، فإن البحث العلمي يعتبر ملكية جماعية للبشرية، والثروة البيولوجية تبقى في ملكية البلد أوالدولة التي توجد على أراضيها هذه الثروة، كما هو الحال لآبار البترول أو أي مواد تستخرج من تربتها. فمفاوضات ريو أفضت إلى ضرورة تأدية بلدان الشمال عائدات للبلدان التي تحتوى أراضيها على”موارد” التنوع البيولوجي، وتمكين بلدان الجنوب من نتائج الأبحاث العلمية في المجال بأثمان تفضيلية.

لم يجد هذا الإتفاق سبيلا للتنفيذ، بحيث سيعرف تجميدا عمليا منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية وتحديدها لإطار الملكية الفكرية. أصبحت المراقبة الخاصة على الجينات النافعة تتسع باستمرار: أصبحت الشركات الكبرى للمواد الصيدلية تفرض بشكل متزايد على الفلاحين أداء ثمن البذور، من سنة إلى أخرى. التنوع الفلاحي التقليدي بدأ ينقرض من العالم نتيجة ثقل هذا الإحتكار، ومبيدات الأعشاب تقتل التنوع العشوائي للأعشاب.(1)

 لا يشكل التنوع البيولوجي الطبيعي أي خطر على تغذية البشر، من خلال الانتقاء الذي عرفته البشرية على امتداد مئات الأجيال من التنوع الفلاحي، فهي لا تستهلك الأعشاب العشوائية. لكن الخطير الآن هو انتشار الصناعات الغذائية التي تطرح بشكل واسع في الأسواق “المواد المعدلة جينيا” ذات التأثير الخطير على جسم الإنسان والنظام البيئي.(++)

هذه الممارسة تخرق مبدأ الإحتياط الذي يجب أن يسود في العلاقات التجارية العالمية، حيث تتحمل بلدان الشمال وخاصة المنضوية منها في منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية مسؤولية كبرى في التشبث بهذا المبدأ وهي ما فتئت تتخبط في مشاكل تهدد حياة البشر جراء التهور في مجال التغذية بحثا عن الربح المالي. ليس أقلها “جنون البقر”.

إن الدينامية الحالية للتقدم التكنولوجي، غير المضبوط، ما فتئت تخلق الأزمات داخل بلدان الشمال نفسها، وبينها وبلدان الجنوب. برزت بمناسبة “جنون البقر” وغيرها، ولا شك أنها ستتعمق من جديد على إثر الاكتشافات الأخيرة جراء الأبحاث التي أجريت على “المواد المعدلة جينيا”. مسؤولية بلدان الشمال لا غبار عليها في مجال التغذية المصنعة، كما هي مسؤوليتها الواضحة في الإحتباس الحراري.

حالة الإحتباس الحراري

يشكل الإحتباس الحراري، المتسبب في الإضطرابات المناخية، أخطر الأزمات الإيكولوجية في القرن 21، ويشكل في نفس الوقت أكبر تحدي لنموذج التنمية الإقتصادية السائد. ذلك أن المعني أساسا في هذه الأزمة هو عمق النشاط الإنساني بمجمله: الصناعة الفلاحية عن طريق دورة الميتان، والطاقة عن طريق دورة  غاز الكاربون.

منذ اكتشافات الأخصائي في الفيزياء الجيولوجية، السويدي “أرهينييس”(4)، يعرف الخبراء بأن أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر جزيئات الغاز، التي تحجز في الغلاف الجوي الأشعة الما فوق الحمراء المنعكسة من الأرض، الشيء الذي يؤدي للتدفئة إلى حدود حرارة معينة للتوازن حسب حجم الغاز المتراكم في الغلاف الجوي. ولم يتم ربط نمو تركيز الغازات في الغلاف الجوي بالنشاط البشري، حتى أواخر القرن العشرين. ارتبط ارتفاع حرارة الكوكب بالنشاط البشري في البداية كاحتمال،في ندوة جنيف سنة 1990 “للمجموعة المابين حكومية لتطور المناخ”( GIEC )، وأصبح يقينا واضحا في ندوة 1995 . ويشكل ثاني غاز الكاربون والميتان أهم الغازات المتسببة في الاحتباس الحراري.

تتسبب حقول الأرز(بضم الهمزة)، والحيوانات العاشبة/المجترات في انبعاثات غازات الميتان، وهي كثيفة تحجز الغازات ما فوق الحمراء. كثافتها، أربعون مرة أكثر من غاز الكاربون، لكن مدة حياتها قصيرة في الغلاف الجوي، مما يجعل معالجتها في المتناول إذا تم اعتماد برنامج دقيق لذلك، في حين يدوم   غاز الكاربون في الغلاف الجوي لما يفوق قرن من الزمن. وتعتبر الطاقة الأحفورية(الفحم الحجري – البترول- الغاز الطبيعي..) المصدر الأساسي لغاز الكاربون، يضاف إلى ذلك،وبشكل ثانوي، محروقات الخشب. يمكن التعويض عن محروقات الخشب ب”الكتل البيولوجية” (Biomasse)، لكن اقتلاع الغابة، غالبا، ماتكون له أسباب أخرى، من ضمنها استصلاح الأراضي لأهداف فلاحية، وهي عادات لازالت متبعة في بلدان الجنوب التي لم تعرف بعد ثوراتها الفلاحية. من جهة أخرى يمكن تعويض الطاقة الأحفورية بالطاقة النووية، لكن هذه الأخيرة تشكل أخطارا إيكولوجية أكبر، لذلك اتجهت أغلب بلدان منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية إلى التخلي عن تنميتها، إما عمليا(حالة الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا) أو بالقانون (حالة ألمانيا والسويد..). في نفس الإطار، أشارت المديرية العامة للتخطيط الفرنسية، في تقريرها لسنة 1998 “الطاقة 2020″،بأن النمو الإقتصادي يواجه ثلاث إكراهات: أخطار المناخ، وأخطار النووي، والمنازعات في استعمال الأراضي.

لمواجهة هذا التحدي تتوفر البشرية على وسيلتين:

الأولى: يمتص النظام البيئي الكوني بشكل تلقائي حوالي نصف الكاربون البشري المبثوث في الغلاف الجوي (عن طريق النباتات أو مياه المحيطات)، إنها هبة الطبيعة للإنسان لتدوير هذا الحجم من غاز  ثاني أوكسيد الكاربون الذي لا يمكن تجاوزه. هذا الحجم المتحمل يعادل 600 كلغ للفرد في السنة الواحدة لنسمة تتجاوز 9 مليار في منتصف القرن21 حسب تقديرات الخبراء. يتطلب الرجوع إلى هذا المستوى من التحمل، العمل على إنقاص الغازات الدفيئة الحالية إلى النصف. وهذا لن يساعد إلا على استقرار تركز غاز ثاني أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي (كمخزون)، والذي سيوافق ارتفاع درجة الحرارة أكثر من اليوم، وليس الرجوع إلى تركز الكاربون لمرحلة ماقبل العهد الصناعي، كتركز مأمول للكاربون من أجل استقرار الحرارة. لأجل ذلك يتطلب الأمر الوصول إلى قسمة حجم الغازات الدفيئة على ثلاثة، وليس على إثنين. المطلوب هو إنقاص ضغط الغازات الدفيئة أسرع ما يمكن لتجاوز الأخطار المحدقة بالكوكب.

الثانية: هو انقلاب المنحى التاريخي للتعامل مع الطاقة، وذلك بالتوجه نحو انخفاض فعاليتها. لقد أدت الثورات الفلاحية والصناعية الأولى، عن طريق إطالة دورة الإنتاج وتجويد الأراضي إلى تقليص سريع لعمل البشر في الوحدات الإنتاجية، وقد تطلب ذلك تكلفة عالية بارتفاع متزايد لإستعمال الطاقة في كل وحدة منتجة. أدت الصدمة البترولية في السبعينات إلى تكيف الإنتاج الذي حافظ على حيويته مع تقليص استهلاك الطاقة، الذى حافظ على نموه بفضل التطور التقني حسب المديرية الفرنسية للتخطيط.

كل الأمل التقني للبشرية يكمن في هذه المراهنة: إنها نتيجة قابلة للتعميم. إذا استطاعت التقنيات على مستوى الإنتاج وخاصة على مستوى بنيات الاستهلاك الحصول على تسريع لفعالية الطاقة وبشكل مذهل حتى على مستوى ارتفاع إنتاجية العمل، يمكننا أن نأمل في تعميم حياة مريحة للأجيال القادمة دون إخلال لا يعوض، بمناخ الكرة الأرضية. أوضح “جوزي كولدمبرغ”(++) صحبة فريق دولي من الباحثين، خلال سنوات 1980، بأنه يمكن ضمان مستوى عيش في مستوى حياة الأوروبيين في سنة 1975، باستعمال التقنيات المعروفة آنذاك ل10 ملايير من البشر. وذلك دون استعمال الطاقة النووية، وحيث لن يتجاوز ارتفاع تركز غاز ثاني أوكسيد الكارون حدود 20 في المائة.

العواقــب

إذا تركنا الحبل على الغارب ولم نغير شيء، فإن الأخطار كبيرة وضخمة. تتوقع “المجموعة ما بين حكومية لتطور المناخ”(GIEC) في تقديراتها المتوسطة للقرن الحالي، مضاعفة تركز غاز ثاني أوكسيد الكاربون، الذي سيؤدي إلى ارتفاع متوسط للحرارة بدرجتين(في الواقع بين +1° و+3،5°)

وارتفاع لمستوى سطح البحر بين  0،5 و1،5 متر. إنها تقديرات متوسطة وعواقبها ضخمة جدا، ستتزحزح المناطق المناخية بكيلوميترات عديدة، وستؤدي إلى إغراق دلتات ذات كثافة سكانية عالية، والجزر ضعيفة الإرتفاع.

ستكون لهذه التغيرات الجيوفيزيائية عواقب أكثر خطورة على النظام البيئي، وبشكل رئيسي على الإيكولوجيا البشرية. لا شك أن تزحزح المناطق المناخية سيكون سريعا، بحيث لا يوفر إمكانيات لتنقل الإنسان والحيوانات والنباتات الملائمة لها من منطقة إلى أخرى، وستواجه الهجرات الجماعية موانع كثيرة على المستوى الدولي بحكم انغلاق الحدود الدولية والقوانين الصارمة التي تواجه الهجرة خاصة في الشمال. إن الوضع مخالف لما دأبت عليه البشرية ما قبل التاريخ حين كانت تقدم على الهجرات الجماعية بسهولة وعلى امتداد زمن طويل حسب التحولات المناخية. لنتصور مواجهة هجرة مليار من النساء والرجال والأطفال خلال الخمسين سنة المقبلة، هاربون من أراضي غارقة تحت مياه البحار، أو أراضي أصبحت جافة لا توفر إمكانية للعيش.

هذا النوع من التكيف يصبح ضروريا، إن لم تتخذ أية احتياطات من الآن. وستكون الهجرة الجماعية والماء سببا رئيسيا للعديد من الحروب في القرن 21. تخضع استراتيجيات الوقاية والإحتياط لبعد جيواستراتيجي وإقتصادي في قلب المفاوضات حول التغيرات المناخية، وبالتأكيد سيبقى هذا البعد مهيمنا على كل محطات المفاوضات المناخية.

العقدة الجيواستراتيجية

لا توجد كل البلدان في نفس الوضعية سواء فيما يخص تكاليف استراتيجية الوقاية أو فوائدها. ولكي ندرك هذا الوضع لابد من تجاوز الجيوفيزياء والمرور إلى الإيكولوجيا البشرية.

من ناحية الفوائد: لا تتعرض كل البلدان بنفس المستوى إلى أخطار الإحتباس الحراري، سواء في ارتفاع مستوى المياه أو ارتفاع درجة الحرارة. تستطيع أوروبا حماية دلتاها(الراين وبو..)، وساكنة دلتا الميسيسيبي ضعيفة العدد. فكل الدلتات الكثيفة السكان توجد في البلدان النامية بالجنوب (نموذج البنغلاديش) أو في البلدان الصاعدة. وكذلك كل أمم الجزر دول صغيرة. أغلبية ساكنة هذه البلدان قروية، وتشكل الفلاحة أكبر نسبة في الناتج الوطني الخام لديها.

بلدان الجنوب إذن هي الأكثر عرضة لأخطار الإحتباس الحراري، ولساكنتها أكبر مصلحة في “سياسة وقائية”. ويبدو أن البلدان الأوربية المنتمية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تبقى أقل عرضة للأخطار، على الأقل، حسب تقديرات 1990. منذ تفاقم العواصف في المناطق المعتدلة أصبح الخبراء يهتمون بالظاهرة… وكذلك مؤسسات التأمين. فيمكن أن تكون المناطق المعتدلة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية عرضة للتحول “المداري للعالم”. فتكلفة الإحتباس الحراري للولايات المتحدة الأمريكية مكلفة منذ الآن، مما يستدعي تحاشيها.

التعارضات صارخة من جانب تكلفة السياسة الوقائية. لا يمكن أن تتخلى البشرية عن حقول الأرز (بضم الهمزة)، ولا عن المواشي، ولا حتى على كل إصلاحات أراضي الغابات. تفرض “الحاجيات الأساسية” للعيش إنتاجا غير قابل لضغط الاحتباس الحراري المرتبط بعمل الإنسان، الذي لا يتجاوز على أية حال “الغلاف المتحمل”(….) في 600 كلغ للفرد في السنة (حاليا، تنتج البانغلاديش 60 كلغ). لا تتوفر البلدان الأقل تقدما على هامش للتقليص، وربما هي في حاجة إلى إصلاح زراعي وتحسين لفعالية الطاقة المستخلصة من الخشب. وبالمقابل، يتركز التلوث الصناعي في أغلبيته الساحقة في بلدان “منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية”، حيث تتجاوز بشكل كبير الغلاف المتحمل(…): بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، 5 طن من الكربون لكل فرد، و2 طن في المتوسط بالنسبة لكل من الاتحاد الأوربي واليابان.(5)

سنكون خاطئين إذا اعتقدنا بأن جيوسياسة الإحتباس الحراري ستضع في المواجهة الجنوب الذي له كل المصلحة في سياسة وقائية والتي لا تكلفه شيئا، والشمال الذي له فوائد نسبية في الوقاية من الغازات الدفيئة بتكلفة باهضة. لا نجد في هذه الصورة الكاريكاتورية إلا مواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والبنغلاديش أو جزر الفيدجي.

من جهة، نجد في الجنوب البلدان الصاعدة والتي تقترب من الحدود المتحملة، تعتبر من حقها ومن المشروع التجاوز لإستدراك التقدم الذي سبقتهم به بلدان الشمال. ومن جهة أخرى تتفجر خلافات كبرى داخل “منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية”، بين البلدان الأوربية أولا رغم حماسها من أجل سياسة وقائية، وثانيا بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي تبقى مترددة في الموضوع. سيكون هذا التعارض حاضرا إبان تحضير اللقاء الرابع ببيونس إيرس (الأرجنتين) للأطراف الموقعة على اتفاقية المناخ، بين الاتحاد الأوربي وباقي البلدان في “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية” (اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أوستراليا، وزيلاندا-الجديدة). يبدو أن أسباب هذا التعارض مزدوجة.

من جانب التكاليف: تشعر أوربا، بالرغم من عدم مواجهتها لنتائج أزمة الغازات الدفيئة، فإنها ستتعرض لها من خلال جيرانها في إفريقيا وآسيا الغربية والوسطى. البلدان الأخرى تعتبر نفسها كدول في جزر كبرى بعيدة عن أي تهديد، تتوفر (باستثناء اليابان) على موارد طبيعية هائلة، وأراضي شاسعة تتيح لها إمكانيات التكييف الفلاحي.

 تتوفر أوربا على نظام تقني أكثر فعالية بشكل مضاعف في الطاقة والإحتباس الحراري مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فكل الضوابط التي يمكن تبنيها في “منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية” ستعطي لأوروبا الإمتياز في هذا المجال. علاوة على ذلك فإن نموذج الضبط الإجتماعي في أوروبا يتأسس على التوافق في المصلحة العامة. وبالعكس من ذلك فإن الإيمان الأمريكي في حرية المقاولة خلق نموذج يلتهم الطاقة سواء في الإنتاج أو الاستهلاك.

حالة المفاوضات حول الإحتباس الحراري

لا شك أن التحكم في أخطار التحولات المناخية الناتجة عن الإحتباس الحراري ستتطلب عشرات السنين من النزاعات والتوافقات. لكن وضوح الهدف النهائي والإتفاق عليه يحدد المعالم الأولى لأي مفاوضات.

(ccnucc)     تبنت 154 دولة “إتفاقية-الإطار للأمم المتحدة حول التحولات المناخية” بمؤتمر ريو سنة 1992، واعتبرت سارية المفعول منذ 21 مارس 1994 ، وبلغ عدد الدول الموقعة 189 سنة 2004 .

 شكلت هذه الإتفاقية أول محاولة في إطار الأمم المتحدة لتحديد طبيعة التحولات المناخية وكيفية معالجتها. و تم الإعتراف بثلاث مبادئ أساسية:

– مبدأ الإحتياط،

– مبدأ المسؤولية الجماعية على قاعدة التناسب،

– مبدأ الحق في التنمية.

اعتمدت “اتفاقية-الإطار” على كل المبادئ المتضمنة في الإعلان النهائي لريو دي جانيرو، و”مذكرة 21 “، وكذا مبادئ القانون الدولي حيث تعتبر مظهرا منه. لكنها لم تحدد أي هدف ملزم قانونيا، فالأطراف الموقعة تركت لنفسها الوقت لإتمام “اتفاقية-الإطار” مستقبلا بإلتزامات في إطار النظام الدولي.

 وقعت بعض أطراف “إتفاقية-الإطار” سنة 1997 “بروتكول كيوتو” الذي أصبح ساري المفعول سنة 2005. هذا البروتكول يتطلب المفاوضة المستمرة في كل مرحلة. انتهت إلتزامات المرحلة الأولى سنة 2012.

عقدت آمال كبيرة على الندوة الدولية في كوبنهاكن سنة 2009 من أجل الوصول إلى توافق قوي بين الأطراف يؤمن الإلتزامات حول المناخ ما بعد 2012. لم يتحقق شيء من هذا. الخلاف كان مستحكما بين الأطراف، أوروبا وبعض بلدان الجنوب من جهة، مستعدة لتوقيع الإتفاق. الولايات المتحدة الأمريكية رافضة التوقيع وشارطة ذلك باتفاق الصين، البلدان الصاعدة وعلى رأسها الصين والهند غير قابلة للتنازل عن حقها في التنمية بنفس الأساليب التي استعملت فيها الطبيعة البلدان الإستعمارية سابقا. فجاء إعلان كوبنهاكن باهتا غير ملزم لأي طرف.

لم تستطع ندوة الأطراف في “كانكون” بالمكسيك سنة 2010 تجاوز إعلان كوبنهاكن، وكل الإتفاقات المهمة أجلت إلى ندوة “دوربان” بجنوب إفريقيا التي انعقدت سنة 2011.

توصل أطراف “اتفاقية-الإطار” في ندوة “دربان” بجنوب إفريقيا، المنعقدة ما بين 28  نونبر و11 دجنبر 2011،إلى اتفاق متوافق عليه حول سياسات العمل لمواجهة التحولات المناخية. لقد توصل الأطراف إلى اتفاق في جو مشحون ومتوتر بعد ليلة كاملة من المفاوضات الحادة.

يتوقع الإتفاق:

– مواصلة الإلتزام ببروتكول كيوتو لمرحلة ثانية تمتد بين 2013 و 2020

– الإنطلاق في مفاوضات جديدة من أجل اتفاق شامل، على أن يتم الوصول إليه في 2015، ويصبح ساري المفعول في 2020 .

– خلق “رصيد أخضر” يتم تعزيزه بمساهمات البلدان المصنعة في حدود100 مليار أورو في السنة انطلاقا من 2020 ليتيح إمكانية تمويل أعمال التعديل والتكيف مع التحولات المناخية.

عبر المسؤولون السياسيون الأوروبيين عن ارتياحهم لهذا الاتفاق واعتبروه تقدما هائلا، في حين اعتبرته المنظمات غير الحكومية وبلدان الجزر غير كاف، لأنه يستبعد الإتفاق النهائي إلى 2015 الذي يبقى خاضعا لموازين القوى، في الوقت الذي تبقى الكرة الأرضية معرضة لأخطار محدقة. فالرهان المتوخى من هذه المفاوضات هو التقليص العالمي لغازات الإحتباس الحراري وخاصة ثاني أوكسيد الكاربون المستهدف من طرف أعضاء “المجموعة مابين الحكومية لتطور المناخ” بصفته المسؤول الرئيسي على التحولات المناخية، التي تمت ملاحظتها منذ ربع قرن على الأقل، والتي ستزداد عمقا وخطورة في العشريات المقبلة إن لم تتخذ أية خطوات عملية.

أصبحت، منذ 1992، “اتفاقية-الإطار للأمم المتحدة حول التحولات المناخية” الإطار المؤسسي، الذي تعبر 190 دولة، الموقعة عليها، عن إرادة العمل لمواجهة التحولات المناخية، وتتفاوض حول طرق العمل للوصول لذلك. ويعتبر “بروتكول كيوتو” آلية مرتبطة باتفاقية-الإطار، وقد التزمت 38 دولة وقعت على البروتكول سنة 1997 بأن تقلص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون إلى 5 في المائة مقارنة مع 1990. أصبح هذا الإتفاق ساري المفعول في 16 فبراير 2005 في مرحلته الأولى للتطبيق بين 2008 و2012.

منذ 2007 وندوة الأطراف في “بالي”، يتحرك الاتحاد الأوربي والبلدان الصناعية لإطلاق جولات جديدة من المفاوضات لما بعد المرحلة الأولى لإلتزامات بروتكول “كيوتو” التي  من المفروض أن تنتهي في 31 دجنبر 2012. في هذا الإطار جاءت  ندوات القمة في “كوبنهاكن” في نونبر-دجنبر 2009 ، و”كانكون” سنة 2010 و”دوربان” سنة 2011. تتعلق القضايا المطروحة للمفاوضات أساسا، بطبيعة الاتفاق وتوزيع أعباء التعديل والتكيف في مواجهة التحولات المناخية.

يعتبر بعض الأطراف أن الطابع الإلزامي لأهداف التقليص من الغازات الدفيئة، يمس بالسيادة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي قرر رئيسها جورج بوش سنة 2001 سحب توقيع بلاده على بروتكول “كيوتو” الذي سبق لسلفه بيل كلينتون أن وقعه في سنة     1998. بالنسبة للإتحاد الأوروبي يتفق على أدوات محددة وملزمة، وهو في ذلك ينسجم مع سياسته الداخلية  المعتمدة على القوانين الخاصة بالموضوع.

بالنسبة للبلدان النامية فإن معارضتها التقليدية لكل اتفاق ملزم ترتكز على اعتبار أن أي اتفاق ملزم لا يشكل إلا آلية ووسيلة لخدمة مصالح البلدان الغنية. أما البلدان الصاعدة المنضوية في تحالف يضم كل من البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين (البازيك)، التي أصبحت تتوفر على هوامش اقتصادية هامة، والتي لاحظت أن الغازات الدفيئة لديها أصبحت تسير نحو الإرتفاع، لم تعد تعارض التعهد بتقليص انبعاثات الغازات الدفيئة في بلدانها على أساس “أعمال وطنية ملائمة للتعديل”، حتى تبقى متحكمة في سياساتها. وبالنسبة لها تبقى مشاركة البلدان النامية تطوعية، ويكون الإلزام خاص بالبلدان الصناعية. فعرفت المفاوضات مواجهة بين من يريد تعميم القاعدة الإجبارية، ومن يعارض أي إجبار، ومن يريد حصر القاعدة الإجبارية على البعض.

يعتبر اتفاق “دوربان” في هذا الإطار تقدما، مادامت المفاوضات حول قرار شامل ستتم سنة  2015، والذي سيضم كل البلدان الموقعة على “اتفاقية-الإطار”. مع ذلك، فالإتفاق المقبل سيبقى غامضا، لأن النص المتفاوض عليه في دوربان أشار إلى اتفاق “بالقوة الشرعية” دون أن يحدد بأنه قانونيا ملزم. ذلك أن الهند استطاعت بقوتها التفاوضية سحب عبارة “اتفاق ملزم” رغم دفاع الاتحاد الأوربي عن ذلك.

بالفعل، فإن مصالح البلدان متعارضة بشكل كبير في مجال البيئة. هناك اختلافات بين الشمال والجنوب في مجال التنمية الإقتصادية وتأثيراتها على البيئة والوعي البيئي، يضاف إلى ذلك الماضي الإستعماري للعديد من البلدان الاستعمارية والاستغلال المختلف للموارد بين الشمال والجنوب، والخاصية المؤثرة لبعض البيئات بالنسبة للدول والسكان.. كل هذه العناصر تجعل من المفاوضات على المناخ مجالات خاضعة، بشكل قوي للإعتبارات السياسية. منذ الندوة الأولى حول البيئة في “استوكهولم” سنة1972 إلى “دوربان” سنة 2011 ، لم تشكل الحكامة العالمية للبيئة (مجموع المؤسسات، المعاهدات، الإجتماعات، مجموعات الخبراء، المنظمات غير الحكومية والعلاقات) سوى مسرحا للمعارضة الكلاسيكية بين البلدان المتقدمة والبلدان السائرة في طريق النمو(المتخلفة)، وهي صراعات خضعت لتحالفات مختلفة حسب الشروط، إما داخل نفس المجموعات أو بين دول من المجموعات المختلفة.

يمكن أن نأمل في اتفاق شامل مستقبلا انطلاقا من الدينامية التي خلقتها البلدان الصاعدة في المفاوضات الأخيرة. هذا ما يمكن ملاحظته خلال ندوة “دوربان” بجنوب إفريقيا، في الوقت الذي عبرت الصين عن قبولها باتفاق شامل، وهي البلد التي عارضت باستمرار أي اتفاق إلزامي للبلدان الصاعدة. يأتي هذا الإنفتاح الصيني، متبوعا بباقي البلدان الصاعدة المنضوية في “البازيك” في إطار دينامية خاصة تعرفها هذه البلدان على الصعيد الدولي والداخلي. يمكن اعتبار المفاوضات الدولية، فعلا، “عمل على مستويين”، إذا اعتمدنا تحاليل عالم السياسة الأمريكي “روبير بوتنام”(++)

يتعلق المستوى الأول بالمفاوضات بين الدول، حيث يسود تضارب المصالح، وتشكل موازين القوى والتحالفات والتكتلات طابع المفاوضات. استطاعت بعض البلدان النامية، “البلدان الصاعدة”، منذ عشر سنوات الاندراج والاستفادة من سياق العولمة الكاسح باعتماد استراتيجيات للتصنيع والتصدير، واستقبال استثمارات دولية منتجة. تتوفر بعض هذه البلدان على عناصر القوة الكلاسيكية (الجيش، الأرض، السكان، التأثير الدبلوماسي)، فلعبت دورا هاما ومؤثرا في المفاوضات الدولية. تعمل بلدان الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، التي تعتبر “قوى صاعدة”،على التقارب فيما بينها وتشكيل تحالفات في مختلف منتديات التفاوض الدولية، سواء على المستوى التجاري (مجموعة 20 أو منظمة التجارة العالمية)، أو الإقتصادي والسياسي ( المشاركة في مجموعة 20 المالية، اجتماع “البريك”)، أو البيئي (“البازيك” بالنسبة للمفاوضات حول المناخ).

بالنظر للوزن المتزايد للقوى الصاعدة في مختلف مجالات الحكامة الدولية (التجارة، المالية، البيئة)،فإنها ستستطيع من خلال تحالفاتها تسجيل انشغالاتها على المستوى الدولي، والدفاع عن مصالحها، والتأثير على المنتظم الدولي لتبني مقترحاتها. إن الطابع النشيط لدبلوماسية القوى الصاعدة يسطر معالم نظام دولي متعدد الأقطاب، بعيدا عن نظرة 1990 حيث بدا وكأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت وحدها توجه العالم. فالقوى الصاعدة يمكنها التأثير على انشغالات العالم.

يصبح من المهم الإهتمام بالجانب الثاني من التحليل، الذي يتعلق بكل بلد. يعتبر “روبير بوتنام” الدول ممثلة على المستوى الدولي لمصالح مجتمعاتها المدنية. فيمكننا إذن فهم تطور مواقف الدول على المستوى الدولي بالرجوع إلى تطوراتها الداخلية. عرفت هذه البلدان  في مجال البيئة إدراكا متناميا  لرهانات التلوث، وحماية البيئة وكذا التحولات المناخية. حددت الصين أهداف واضحة في المخطط الخماسي، بتقليص تأثير النمو الاقتصادي على البيئة، وذلك بتقليص استهلاك الطاقة ب16 في المائة، وتقليص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون ب17 في المائة في أفق 2020. وفي البرازيل استطاعت الحركة الإيكولوجية أن تبوء مرشحتها “مارينا سيلفا” الريادة في رئاسيات 2010. وبالنسبة لإفريقيا الجنوبية والهند تطور بشكل واسع طاقات دون الكربون وتستثمر في اقتصاديات الطاقة.

بالطبع لا يمكن اعتبار البلدان الصاعدة نماذج في حماية البيئة، فهي بعيدة عن ذلك، بحيث أن نموها الاقتصادي القوي يصاحبه تأثير إيكولوجي خطير. يكفي التذكير بمركبات الفحم الحجري في الصين واقتلاع الغابة في البرازيل كنماذج فقط، ويمكن التذكير كذلك بالكوارث الإيكولوجية التي تحدثها السدود الفرعونية في الأمازون بالبرازيل، والإستعمال المتنامي للمحروقات النباتية في البلدان الصاعدة. لكن تطور الانتظارات الاجتماعية في مجال البيئة من شأنها أن تدفع حكومات القوى الصاعدة أن تبحث عن حلول، حتى في البلدان الغير ديمقراطية مثل الصين.

يعتقد “أنريك فانتورا”(++) “بأن دينامية المفاوضات الدولية والداخلية للبلدان الصاعدة خلال الفترة الممتدة إلى 2020 يمكن أن تؤدي إلى عقد اتفاق شامل حول التقليص من الغازات الدفيئة. ولو أنه من المحتمل جدا أن يبقى مرنا. ولاشك أن عملية تمويل عملية التكيف مع التحولات المناخية ستبقى كذلك من النقط الخلافية”. نأمل ذلك، لكننا مع ذلك،نعتقد أن الأمر يبدو أكثر تعقيدا أخذا، بعين الإعتبار العديد من العوامل الإقتصادية والسياسية  والثقافية والجيواستراتيجية واستحضارا لتاريخ التوثر في العلاقات شمال-جنوب والموروث الثقافي، مما يتطلب مقاربات أخرى تستحضر السلم والمساواة والمناصفة والانصاف الاجتماعي والتاريخي.

 تعاون جديد شمال جنوب من أجل البيئة

تواجه شعوب الجنوب أزمة مزدوجة للبيئة، أزمة محلية وأزمة كونية.

إن سبب الأزمة المحلية، هو المجتمع المحلي نفسه، الذي خضع لإنكسار بنيوي أحدثته البنيات الإقتصادية والثقافية والإدارية والسياسية الوافدة إبان المرحلة الإستعمارية، التي أعاقت صيرورة التطور التاريخي الطبيعي للبنيات المحلية. وقد استمرت البنيات الإقتصادية والثقافية الوافدة بعد الفترة الإستعمارية بشكل غير ملائم للتطور الطبيعي والتاريخي لمجتمعات الجنوب. فالمجتمع في النهاية يبقى غير مسؤول عن عمله، عن نموذج فلاحته أو صناعته أو نموذج عمرانه أو استهلاكه. إلا أن أسباب أزماته الإيكولوجية الداخلية تبقى في متناول يده، ذلك أن ما تقوم به مجتمعات الجنوب هو الذي يتسبب في الأزمات الإيكولوجية المحلية.

أمثلة عديدة يمكن الوقوف عندها، اتساخ الأحياء الشعبية وانتشار التلوث، اقتلاع أشجار الغابات، الشيء الذي يتسبب في تسريع وثيرة التصحر، تكدس الساكنة في المدن الكبرى مثل القاهرة والدار البيضاء التي يصعب ضمان تزويدها بالحاجيات الضرورية (السكن، الماء، الكهرباء، الصرف الصحي، النقل، النظافة…)، إنها نماذج لأزمات إيكولوجية في بلدان تعرف التنمية بسرعات متعددة. لا يمكن للنخب الحاكمة في بلدان الجنوب أن تتملص من مسؤولياتها تحت ذريعة الإرث الاستعماري. فكلما وقع التقدم في تحديد أسباب الأزمات الإيكولوجية في المجتمعات المحلية، كلما كبر الأمل في القدرة على التغلب على تلك الأزمات، شريطة استحضار الإرادة السياسية. لنأخذ الإنفجار الديمغرافي، مثلا، الذي يعمق الأزمات الإيكولوجية، فالمجتمع له الوسائل الملائمة لتلطيف النمو الديمغرافي عن طريق التربية وتحسيس الشباب والعمل على تحرير المرأة وتحقيق المساواة والمناصفة.

لا تطلب شعوب الجنوب من الشمال، بأن يسمح لها بتخريب البيئة حسب إرادتها باسم التنمية، كما تدافع عن ذلك النخب المحتكرة للسلط السياسية والإقتصادية في الجنوب. تدرك شعوب الجنوب بأن شروط التنمية مرتبطة بوضعية البيئة، وأنها، وخاصة الفقراء ستكون الضحية الأولى لأي تخريب للبيئة، إن لم تكن في وضعية الضحية من الآن. يكافح القرويون باستمرار في الساحل والمناطق الجافة ضد زحف كثبان الرمال للحد من زحف التصحر، وتقطع الأم في سكن الصفيح الكلوميترات العديدة للبحث عن الماء غير الملوث للعائلة. ليس هناك تناقض بين التنمية وتحسين البيئة، هناك تكامل. هناك هامش واسع للإختيار بين اقتلاع أشجار الغابة والإصلاح الزراعي، بين مصاريف التجهيز العسكري ومصاريف الخدمات العمومية، وهذا الهامش يوجد أساسا بين أيدي المجتمعات المحلية.

ما تطلبه شعوب الجنوب من الشمال هو، أن تساعدها في مجهودات التنمية المستدامة وتمكينها من التكنلوجيات النظيفة، وأن توقف أي دعم للمشاريع الخطيرة إيكولوجيا في بلدان الجنوب، وأن توقف كل عمليات إرشاء النخب النافذة في الجنوب لدفعها إلى اختيار نماذج خطيرة للتنمية.

لا شك أن الشراكة في العمل هي الكفيلة بالإجابة عن عدة معضلات في مواجهة الأزمات الإيكولوجية، نعني بالخصوص التعاون بين المنظمات غير الحكومية التي بإمكانها المساهمة في تحريك المجتمع المدني في الشمال والجنوب وخاصة النساء اللواتي يشكلن في الجنوب  الضحايا  الأوائل في كل الأزمات الإيكولوجية، وهن اللواتي يساهمن في عدة أحيان، في غياب الوعي والوسائل التقنية، في تدهور البيئة التي يعشن فيها وتشكل مصدر عيشهن في نفس الوقت، كالبحث بشكل يائس عن خشب التدفئة، مثلا.

إن مجتمعات الجنوب ستتأثر بشكل كبير أكثر من مجتمعات الشمال من الأزمات الإيكولوجية الكونية. نفكر أساسا في التحولات المناخية وارتفاع مستوى المياه الناتج عن الإحتباس الحراري. فكيفما كانت التوقعات العلمية، حول مستوى ارتفاع درجة الحرارة، إثنين أم أكثر، في كوكب الأرض: ما هو أكيد هو أن الأنظمة الايكولوجية، الفلاحية والمدينية في الجنوب، هي التي ستواجه أخطار التحولات المناخية. ستواجه بلدان الجنوب تفاقم الأمطار السيلية في المناطق المدارية والمتوسطية، وستواجه كذلك تفاقم التصحر في مناطق الساحل والسودان وغيرها. فسكان الجنوب في المناطق القروية أو في مدن الصفيح، ما يسمى حزام الفقر، ستتأثر بشكل كبير بالأمطار السيلية الكثيفة وكذا بارتفاع مستوى المياه في البحار: ستغرق الدلتات كثيفة السكان في الجنوب، في حين أن الشمال يتوفر على إمكانيات حماية دلتاته وبلدانه مثل البندقية وهولاندا.

ولعل الفرق بين الأزمات الإيكولوجية المحلية والكونية، هو أن بلدان الجنوب لا تستطيع فعل شيء في الأزمات الكونية لأن بلدان الشمال هي المتسببة فيها، لأنها هي المنتجة الرئيسية للغازات الدفيئة.

إنه من غير المقبول أن تقول بلدان الشمال للجنوب: ” مع النمو الديمغرافي الذي لديكم، والتصنيع الذي تباشرونه، ستتجاوزوننا في إنتاج غاز الكاربون”. هذا صحيح، لكنه يبقى في مستوى الحسابات الإحصائية، فالسكان الأغنياء في الشمال هم أقل عددا من السكان الفقراء بالجنوب وبشكل كبير.

لكن، كيف نطلب من بلدان الجنوب بألا تقوم بالتصنيع في الوقت الذي نجد أن مواطنا في البنغلاديش ينتج أقل من مواطن في الولايات المتحدة الأمريكية ثمانون مرة من غاز الكاربون؟ كيف نجرؤ على القول للمرأة النيجيرية بأن أبناءها يشكلون خطرا على المناخ، والحال أن طفل نيجريا يستهلك من الثروات العالمية حصة تعتبر أقل من الحصة التي يستهلكها الطفل الأمريكي بمائة وخمسين مرة؟ بالطبع، يمكن أن يشكل الضغط الديمغرافي أخطارا على النظام البيئي المحلي، وللنساء في بلدان الجنوب الحق في التصرف في ذواتهن بمراقبة الولادات. لكنه علاوة على ذلك، فإن تأثير العامل الديمغرافي على المناخ يبقى ضعيفا بالنظر إلى عامل “الإستهلاك لكل مواطن” كما رأينا. يمكن لشعوب الجنوب أن تجيب الشمال في هذا الأمر: “إننا على استعداد، وخدمة للأجيال المقبلة أن نختار بتبصر تقنيات لإنتاج الطاقة، لكن على الشمال أن يتحمل مسؤولياته الكاملة في تسوية أزمة المناخ”.

إن الحل المنصف الوحيد، هو الإنطلاق من مبدأ المساواة بين كل بني البشر في حق الولوج والاستفادة من الملكية الجماعية للغلاف الجوي. هذا التوافق لن يتحقق دون منازعات، لكنه كذلك فرصة للتعاون بين الشمال والجنوب.

إن النضال المشترك لإنقاذ مستقبلنا المشترك، ليس فقط مسألة تضامن مالي. إنها بالأساس مسألة تعارف ومعرفة وقبول بالآخر، وتسامح وسلم بين الشعوب والثقافات

هوامش الفصل السادس:

(1) ألان ليبييز: ما هي الإيكولوجيا السياسية- طبعة 2012 – “لي بوتي ماتان”- ص.79.

(2) نفس المرجع السابق- نفس الصفحة.

(3)   Voir OCDE, Politique de l’environnement et emploi, éditions de l’OCDE, Paris, 1997.

( 5) أنظر تقرير مؤسسة الموارد العالمية، واشنطن، 1990

Moncef Benaissi

The author didn't add any Information to his profile yet.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked. *