الطبق الذي ثقب الأوزون

By / سنتين ago / Non classé, أخبار / No Comments
الطبق الذي ثقب الأوزون

آل غور، رجل الأعمال والسياسي الأمريكي يحوز على جائزة نوبل للسلام لسنة 2007، تكريما لجهوده الهادفة إلى زيادة الوعي بموضوع التغيرات المناخية، والتي تكللت بإنتاج فيلم وثائقي عن الموضوع تحت اسم: حقيقة مزعجة An inconvenient truth)).

وكان آل غور نائب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والمرشح سابقا للانتخابات الرئاسية عام 2000، قد طرح نفسه كناشط وفاعل في الدفاع عن قضايا المناخ، حيث حاز فيلمه الذي ركز على مشكل الاحتباس الحراري على جائزة أوسكار عام 2006.

وقد تم رصد موارد مادية وبشرية وتقنية مهمة لهذا العمل، إضافة إلى الاستعانة بخبراء في مجال المناخ وبإحصائيات وأبحاث موثوقة المصادر.

غير أن هذا العمل الضخم، الذي تطرق بإسهاب إلى العوامل المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، أغفل أكثر القطاعات الصناعية إنتاجا للغازات الدفيئة التي تضر بالمناخ. الشيء الذي يصعب أن يقع سهوا في عمل بهذا الحجم وتحت مراقبة خبراء ومختصين في المجال، وهذا ما يدعو إلى البحث حول أسباب هذا الإغفال، والتساؤل عن خصوصية هذا القطاع الصناعي الأكثر تلويثا، والأقل ذكراً.

في سنة 2006، منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تصدر تقريرا صادما ربط لأول مرة بين تربية الماشية والتغيرات المناخية، تحت عنوان “Livestock’s Long Shadow” (الظل الطويل لتربية المواشي) أكدت من خلاله أن قطاع تربية المواشي يساهم ب 18 في المائة من الغازات الدفيئة المنبعثة في الهواء، وهي نسبة جد مهولة ومخيفة، حيث أن فريق العمل الذي سهر على هذا التقرير، أخذ بعين الاعتبار في حساب هذه النسبة، التغيرات في التربة المرتبطة بتربية الماشية، إنتاج المواشي لغاز الميثان، تدبير الأسمدة الحيوانية ( روث الماشية) في ما يتعلق بانبعاث الميثان و أكاسيد النيتروجين، المراحل المختلفة لإنتاج العلف وإنتاج الماشية، المعالجة والنقل.. وكل الأنشطة المتدخلة في هذا القطاع العريض.

غير أن فيلم آل غور لم يتطرق ولو بالإشارة إلى هذه الحقيقة المزعجة فعلا والتي على العالم أن يواجهها بواقعية وبجدية كبيرين.

فإن كان أكبر النشطاء المدافعين عن المناخ قد أبقوا المساهم الرئيسي في إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري متخفيا ومستترا عن النقاش العام، فأن أي عمل على هذا الأساس جدير بالتشكيك في جدواه مادام لا يعالج أكبر المشاكل وأكثرها تأثيرا.

ومن المتداول جدا أن عوادم السيارات هي التي تتسبب في تلوث الهواء بشكل كبير، وهو أمر صحيح بحيث يساهم قطاع النقل – حسب نفس تقرير الفاو ب13 في المائة من انبعاث الغازات الدفيئة، إلا أن قطاع تربية المواشي يتفوق عليه بنسبة 18% . والحقيقة أن المشكل الحقيقي يكمن في أن الرأي العام لا يفهم بشكل جيد العلاقة بين الاحتباس الحراري وتربية الماشية، ولذلك سوف نحاول التطرق إلى بعض مظاهر هذا الترابط.

حوالي 60 % من الحبوب المنتجة عالميا، ترصد لتغذية الماشية، وتصل النسبة إلى حوالي 75% فيما يتعلق بالصوجا. ولإنتاج كيلوغرام واحد من اللحم، يستهلك الأمر أكثر من 7 كيلوغرامات من الحبوب، الأمر الذي يتطلب توفير آلاف الهكتارات لزراعة الصوجا والذرة من أجل علف الماشية، وهذه الهكتارات تقتطع من مسحات الغابات المطرية التي تعتبر إحدى رئتي الكوكب، إلى جانب البحار والمحيطات. وبالحصول على آلاف الأطنان من الحبوب، يعاد استثمارها في الماشية من أجل الحصول على بضع مئات الأطنان من اللحوم. وهي بتأكيد العلماء، ليست طريقة رشيدة في إنتاج غذاء البروتين.

تعتبر البرازيل أكبر مصدر للصوجا في العالم، فمنذ الستينات، تضاعف إنتاجها لهذا المحصول حوالي 57 مرة، إذ توسعت الأراضي الزراعية لهذا المحصول داخل مناطق ذات حساسية بيئية كغابة الأمازون المطرية ، وغابة السافانا. حيث أن اجتثاث الأشجار واستزراع الحبوب مكانها يتسبب في تدمير الحاضنة البيئية للعديد من الكائنات الحية والقضاء على التنوع البيولوجي، إضافة إلى القضاء على مساهم كبير في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وطرح الأوكسجين في الهواء. وبالتالي فإننا نجرد أنفسنا من سلاح قوي في مواجهة الاحتباس الحراري، بل إننا نساهم في تسريع التغير المناخي الذي بدأ بالفعل بالحدوث.

إن الاحتباس الحراري ينذر بوابل من الكوارث على الكوكب الأزرق وعلى جميع أشكال الحياة عليه، وبذلك فإن الشغل الشاغل للبشرية في الوقت الراهن لابد أن يتمحور حول محاربته أو الحد منه، ولن يكون الأمر ذا جدوى حقيقية دون مراجعة السياسات الزراعية حول العالم، وكذلك النمط الاستهلاكي لمختلف المجتمعات البشرية، إذ يبدو أن الدينامية الطبيعية هي أنه كلما اغتنت الساكنة، كلما ارتفع استهلاكها للمنتجات الحيوانية. وهناك مجتمعات ذات تعداد سكاني رهيب تنتقل إلى الرفاه تدريجيا، وبالخصوص الصين، التي تعتبر أكبر مُسَرِّع لاستهلاك المنتجات الحيوانية. إذ يتضاعف بها عدد رؤوس المواشي كل عشر سنوات، وبالتالي يتضاعف الطلب على العلف الذي يدفع إلى إزالة المزيد من الغابات.

ومن الغريب فعلا أن غالب الحكومات تنتهج مقاربات ترقيعية تعتمد فرض الضرائب على الوقود وغيرها من الإجراءات، في حين أن الأبحاث تثبت أن بقرة واحدة تتسبب سنويا في إنتاج كمية من الغازات الدفيئة تعادل ما تنتجه سيارة تقطع مسافة 70 ألف كيلومتر.

من بين كل المواشي التي تنتج داخل الحظائر، تعتبر الأبقار أكبر مساهم في زيادة الغازات الدفيئة، فعلى عكس الجهاز الهضمي للبشر، تتميز المواشي عموما بجهازها الهضمي الذي يستطيع هضم الألياف النباتية، وذلك ما ينتج عبر تفاعلات كيميائية معقدة تُطرح إثرها كمية من غاز الميثان الذي يعد إحدى الغازات الدفيئة. وبذلك فعندما تتبرز أو تتجشأ أو تخرج الريح، فأن هذه القطعان من الماشية تنتج كمية هائلة من الغازات الدفيئة التي تخرج من أحشائها.

إن تربية المواشي من أجل الحصول على مصادر حيوانية للبروتيين، يتطلب توفير عشرة اضعاف مساحة الأرض التي تتطلبها إنتاج مصادر نباتية للبروتيين، من الخضروات والفواكه والحبوب.. هذا إضافة إلى كمية الماء المستهلكة في عملية الإنتاج. فلإنتاج كيلوغرام واحد من الحبوب، يلزم مايعادل 1500 لتر من الماء، في حين أنه لإنتاج كيلوغرام واحد من اللحم، يتم استهلاك عشرة أضعاف هذه الكمية من الماء، أي 15 ألف لتر من الماء. ولإنتاج غذاء كاف لشخص واحد في اليوم، نحتاج في المعدل إلى 3000 لتر من الماء.

الماء مصدر قابل للتجديد ولكنه مصدر محدود. ومع التزايد الهندسي للساكنة، يزيد الضغط على مصادر المياه وتنقص حصة الفرد بتناسب عكسي. اليوم، الصناعات الزراعية مسؤولة عن 70 % من استهلاك المياه في العالم. ومع هذه المعادلة، يصير العالم يوما بعد يوم، عالما عطشانا بسبب جوعه. فتغذية البشر تستهلك ألف مرة ضعف المياه الكافية لري عطشهم. وبذلك فلا مناص من ترشيد المياه المخصصة للزراعة، وانتهاج سياسات غذائية تركز على المصادر الغذائية الأقل استنزافا لموارد الماء.

وكخلاصة أولية، فأن صناعة اللحوم من أجل الغذاء تستهلك قرابة 60% من المحاصيل الزراعية، وتستهلك كمية كبيرة من المحروقات المعدة لنقل الماشية والكلأ، وتستهلك مصادر طاقية أخرى كالكهرباء، و تتطلب كميات هائلة من المياه ومساحات شاسعة من أراضي الرعي والأراضي الزراعية، حيث تتوسع على حساب الغابات المطرية وبذلك يتم القضاء على التنوع البيولوجي الحيواني والنباتي، وتتسبب في إنتاج أكبر نسبة من الغازات الدفيئة… في مقابل إنتاج كميات من الغذاء لا تصلها الشرائح الأكثر عوزا من المجتمعات الفقيرة. إن صناعة اللحوم لا تتسبب فقط في كوارث بيئية، بل هي أيضا مسؤولة عن المجاعات التي يعاني منها العالم، فكمية المحاصيل التي تنتجها الأراضي الزراعية كافية لإطعام كل الجوعى. إلا أن هذه المحاصيل تلتهمها الأعداد الخيالية من الماشية المنتجة صناعيا في المزارع، لنحصل في الأخير على غذاء حصري لطبقات معينة بكلفة بيئية باهظة، وبقيمة غذائية رديئة.

تنتج المواشي الكميات كارثية من الروث والبول، ورغم أنها تستعمل في تسميد الأراضي الفلاحية، إلا أن كمياتها الضخمة تبقى حبيسة مستنقعات غالبا ما تنشئ بالقرب من المزارع لهذا الغرض، فتتسرب إلى باطن الأرض لتصيب الفرشة المائية وتصير الآبار المحيطة بالمنطقة ملوثة وغير صالحة للاستعمال البشري أو الزراعي.

تتخلص بعض المزارع من روث المواشي عبر إلقائه في المياه الجارية للأنهار أو البحار، مما يتسبب في نشوء ما يعرف بالمناطق الميتة التي تنخفض فيها كميات الأكسجين، فتصير جميع أنواع الحياة فيها مهددة إلى منعدمة لشدة التلوث الناتج عن هذه النفايات العضوية.

تعد الظروف التي تنتج فيها الماشية في المزارع، ظروفاَ مزرية وغير صحية للماشية أولا، ثم للمستهلك ثانيا، إذ تتكدس أعداد كبيرة في حظائر ضيقة بغرض زيادة الإنتاج ونقص المصاريف، وتضطر إلى العيش معظم حياتها تقف وتجلس على روثها في تزاحم شديد، و تستهلك غذاءً معدا حسب الحاجة منها: اللحوم أو الألبان. وبذلك تصاب الماشية بأمراض مرتبطة بالهضم وبتقرحات وبثور.. كما تصاب بنوبات اكتئاب ومضاعفات نفسية.

يعالج قطاع تربية الماشية هذه المشاكل الصحية بإدخال المضادات الحيوية في تغذية الماشية، وفي بعض الأحيان تُستعمَل حتى مضادات الاكتئاب خاصة بالنسبة للخنازير والبقر. ومن الصادم أن 80% من صناعة المضادات الحيوية تذهب لمزارع الماشية لكي تتمكن هذه الأخيرة من البقاء على قيد الحياة في ظل الظروف المزرية. ومع الإفراط في استعمال هذه المواد الصيدلانية، تطور العديد من البكتيريا الضارة والفيروسات قدرتها على المقاومة ، كما تًهلًك أنواعٌ من البكتيريا المفيدة للماشية وللإنسان. ونتاجا لكل هذه العوامل، تنشأ أمراض وأوبئة جديدة من قبيل جنون البقر وإفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور…

إن إصرار البشر على هذا الكم من استهلاك المنتجات الحيوانية المصدر، خاصة المنتجات الغذائية من لحوم وألبان ومشتقاتها، يعرض الحياة على الكوكب لخطر كبير. ولربما لم يشأ السياسي آل غور أن يغامر بأن يخدش مشاعر الناس بعرضه للحقائق والكوارث التي تنطوي عليها تربية المواشي، إلا أنه آن الأوان لمواجهة الحقيقة المزعجة بحق: طبق اللحم الذي تضعه على طاولتك يثقب الأوزون، ويزيد من حرارة الكوكب أكثر من عادم سيارتك. وإن لم يبن زعماء العالم عن نية سياسية حقيقية في أيجاد حلول عملية وسريعة لتفادي الكارثة البيئية الوشيكة، فقد يكون بعض الجزء في طبقك وفيما تملؤه به.

لكوني شخصا خضريا متحيزا جدا ضد الاستغلال البشع للحيوانات، سأبدو طوباويا حالما بالأمل في أن يكف سائر البشر عن استهلاك اللحوم، ولكنه من الواقعي والعملي جدا النداء بأن ينقص كل مستهلك للمنتجات الحيوانية حصته اليومية أو الأسبوعية ويعوضها بمصادر نباتية هي أكثر وفرة وأنفع للصحة وأقل تأثيرا على البيئة. وبذلك فكل فرد سيخفض من مساهمته في انبعاث الغازات الدفيئة.

ورغم أن الوضع الراهن يكشف عن سيناريو قاتم متشائم لما تحمله لنا الأيام القادمة، إلا أنه لازال يمكن فعل الكثير من خلال تعديل النظام الغذائي لساكنة الكوكب. إذ اعتبرت منظمة الفاو أن النظام الخضري قادر على أن ينقذ العالم من الجوع والعطش، و أن يساهم في نقص تسارع احترار الغلاف الجوي.

بينت بعض الدراسات أن المواطن الأوروبي يستهلك طيلة حياته مامعدله 18000 حيوان، ما بين الغنم والخنازير و الأسماك والأبقار والطيور… وإن أمكن أن يستهلك كل البشر بنفس المعدل، فإننا سنحتاج إلى 142مليار حيوان على أطباقنا سنويا. والحاصل أنه لا بد من العمل على تخفيض هذه الأرقام لا على زيادتها.

منظمة أمريكية قامت بدراسة تروم من ورائها التعرف على جدوى التحول كليا أو جزئيا إلى نظام غذائي نباتي، على التغير المناخي والاستباس الحراري، فكانت النتائج حسب ما لي:

إذا تحول كل سكان الولايات المتحدة الأمريكية إلى نظام نباتي لمدة:

  • سبعة أيام : يعادل ذلك نقص 700 ميجاتون من الغازات الدفيئة، أي ما يعادل إزالة جميع السيارات من طرق الولايات المتحدة الأمريكية.
  • ستة أيام : يعادل ذلك التخلص من أثر إنتاج واستهلاك الكهرباء في سائر البلاد. (و.م.أ)
  • خمسة أيام : يعادل ذلك الفائدة البيئية من زراعة 30 مليار شجرة وتركها تنمو لمدة عشر سنوات، أي بمعدل 43 شجرة لكل مواطن.
  • أربعة أيام : يعادل ذلك تخفيض مجموع استهلاك الطاقة في سائر الدولة إلى النصف.
  • ثلاثة أيام : يعادل ذلك تخفيض 300 ميجاتون من الغازات الدفيئة.
  • يومين : يعادل ذلك تعويض كل الأجهزة المنزلية المستهلكة للطاقة بأجهزة صديقة للبيئة وقليلة الاستهلاك.
  • يوم واحد : ينقص ذلك ماتكلفه سنويا 19 مليون تذكرة طائرة من نيويورك إلى لوس أنجلوس أو بالعكس

إن الخلاصة من هذه الدراسة يكمن في أن خطوة صغيرة لكل فرد، هي خطوة عملاقة للبشرية، فيمكن أن يكون ما تضعه كل أسرة على مائدة طعامها، سلاحا ضد الاحتباس الحراري وتغير المناخ، وإلا فهو يساهم في تسريع احترار الجو وجفاف التربة..

إن الرهان الحقيقي في هذه المعركة الملحمية التي بات لزاما على البشرية أن تخوضها في صفوف مرصوصة، هو الوعي بخطورة الموقف، ومحاربة الجهل البيئي، و إشراك مختلف شرائح المجتمع في البحث عن حلول وبدائل لمصادر الطاقة ومصادر الغذاء.. وعلى الفعل الفردي كما القرار السياسي.

ولنكن واضحين وصرحاء، فخيار النظام الغذائي النباتي من أقوى الأسلحة وأسهلها وأكثرها نجاعة وأقربها إلى الحل، وقد لا يكون هذا الخيار رهينا بإرادة سياسية تستلزم عقد القمم والمؤتمرات الدولية وإبرام الاتفاقيات، ولكنه بالتأكيد خيار فردي سهل البلوغ ومتاح للجميع.

الخضرية هي الحل، وطبق طعامك إما أن يوسع ثقب الأوزون، وإما أن يحفظ غابة الأمازون.

إبراهيم كان.

لتحميل النص كاملا%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%ab%d9%82%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%94%d9%88%d8%b2%d9%88%d9%86-web-1

Ines

The author didn't add any Information to his profile yet.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked. *